هل احترمت الشكليات القانونية في منع احتجاج نقابات الطاكسيات بالجديدة؟

شهدت مدينة الجديدة، واقعة تثير الكثير من النقاش القانوني والحقوقي، عقب منع تظاهرة احتجاجية لنقابات سيارات الأجرة الصغيرة قرب إعدادية حليمة السعدية، في ظروف يمكن تأويلها على انها مخالفة للشكليات القانونية المؤطرة لحرية التجمع والتظاهر السلمي بالمغرب.
وتفيد المعطيات أن هذه التظاهرة، التي نُظمت يوم الأربعاء 18 مارس 2026، لم تكن مفاجئة، بل تم إشعار السلطات المحلية بها بشكل مسبق من طرف النقابات المعنية، في احترام للمساطر القانونية الجاري بها العمل، وهو ما يعزز الطابع السلمي والقانوني لهذه الخطوة الاحتجاجية.
غير أن ممثلي السلطات العمومية، وعلى رأسهم القائد رئيس الملحقة الإدارية الرابعة، أبلغوا المحتجين بوجود قرار يقضي بمنع التظاهرة، إلا أن هذا القرار تم تبليغه بشكل شفوي، دون تسليم نسخة مكتوبة للنقابات، وهو ما يطرح إشكالاً قانونياً حقيقياً بشأن مدى احترام المساطر المنصوص عليها في التشريع المغربي.
ينص ظهير الحريات العامة 1958، وخاصة الفصول المنظمة للتجمعات العمومية، على أن الأصل هو حرية التظاهر السلمي، شريطة التصريح أو الإشعار المسبق، ولا يمكن للسلطات منع أي تجمع إلا بقرار معلل يرتكز على أسباب جدية تمس النظام العام، مع ضرورة تبليغه للجهة المنظمة وفق شكليات محددة.
وفي نفس الإطار، يكرس الفصل 29 من دستور المملكة المغربية 2011 حرية الاجتماع والتجمهر والتظاهر السلمي، باعتبارها من الحقوق الأساسية التي لا يمكن تقييدها إلا وفق ضوابط قانونية دقيقة، قائمة على الضرورة والتناسب.
كما أن مبدأ تعليل القرارات الإدارية، المنصوص عليه في القانون رقم 03.01 المتعلق بتعليل القرارات الإدارية، يفرض على الإدارة تقديم مبررات قانونية وواقعية لكل قرار يمس حقوق الأفراد، وهو ما لم يتم احترامه في هذه الحالة، حيث غاب التعليل الكتابي، وتم الاكتفاء بإخبار شفوي يفتقر للأساس القانوني السليم.
وفيما يتصل بمسطرة تفريق التجمهر والتجمع، فإنها مؤطرة بشكل دقيق بمقتضى ظهير الحريات العامة 1958، خاصة الفصول من 19 إلى 21، والتي تنص على أنه لا يمكن تفريق أي تجمع عمومي إلا بعد احترام مجموعة من الإجراءات الشكلية والجوهرية، إذ يوجب القانون حضور السلطة الإدارية أو الأمنية المختصة بعين المكان، وأن يتم توجيه أوامر صريحة للمحتجين بالتفرق عبر إنذارات قانونية متتالية، تُعرف في الممارسة بـ”الإنذارات الثلاثة”، والتي يجب أن تكون مسموعة وواضحة وتمنح المحتجين مهلة كافية للامتثال، كما يفرض نفس الإطار القانوني أن يتم هذا التفريق بناءً على قرار مكتوب، وأن يتولى مسؤول أمني يحمل شارة مميزة إعلان هذا القرار وتلاوته بشكل رسمي أمام العموم، بما يضمن الشفافية ويمكن المحتجين من معرفة الأساس القانوني للتدخل.
وتثير هذه الواقعة تساؤلات عميقة حول مدى احترام السلطات المحلية لالتزاماتها القانونية، خاصة في ظل توفر شرط الإشعار المسبق من طرف النقابات، مقابل غياب التعليل في قرار المنع وعدم احترام شكلياته.
إن احترام الإجراءات القانونية في مثل هذه الحالات لا يعد ترفاً إدارياً، بل يشكل ضمانة أساسية لحماية الحقوق والحريات، ويعكس مدى التزام الدولة بمبادئ دولة الحق والقانون، وأي إخلال بهذه الضوابط من شأنه أن يفتح المجال أمام التعسف، ويقوض الثقة في المؤسسات.
وفي انتظار توضيحات رسمية، يبقى من المشروع طرح النقاش حول ضرورة التقيد الصارم بمقتضيات القانون في تدبير الاحتجاجات السلمية، بما يضمن التوازن بين حفظ النظام العام وصون الحقوق الدستورية.







