وهم السيطرة في الكواليس: كيف خسر المغرب معاركه الحاسمة داخل الكاف؟

الجديدة بلوس

لأزيد من عقد من الزمن، قُدِّم فوزي لقجع داخل الخطاب الإعلامي الرسمي والموالي بوصفه “الرجل القوي” داخل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (الكاف) والاتحاد الدولي (الفيفا)، وصاحب النفوذ القادر على حماية مصالح المغرب والدفاع عن قضاياه الرياضية والاستراتيجية، غير أن تتبع مسار الملفات الكبرى التي خاضها المغرب داخل هذه المؤسسات يفضي إلى خلاصة مغايرة تماماً، عنوانها الأبرز: حضور شكلي كثيف، مقابل عجز واضح عن فرض المواقف المغربية حين تتطلب المعركة صداماً قانونياً أو سياسياً.

كان أول امتحان حقيقي لفوزي لقجع داخل الكاف هو ملف تأجيل كأس أمم إفريقيا 2014 بسبب وباء إيبولا، ورغم وجاهة الطلب المغربي من زاوية صحية وإنسانية، انتهى المسار بعقوبات قاسية ضد المغرب، شملت الحرمان من المشاركة والتنظيم وغرامات مالية ثقيلة، قبل أن يتم لاحقاً تقليصها عبر القضاء الرياضي، هذه الواقعة لم تكن مجرد “هفوة ظرفية”، بل مؤشراً مبكراً على محدودية قدرة الجامعة على تحويل الخطاب إلى قوة قرار داخل الكاف.

عاد الرهان بقوة في قضية نهائي دوري أبطال إفريقيا بين الوداد الرياضي والترجي التونسي، حيث ساد اعتقاد واسع بأن المغرب، بفضل موقع لقجع داخل دواليب القرار الإفريقي، قادر على استرجاع حق فريقه، غير أن النتيجة جاءت معاكسة تماماً: الكاف ومحكمة التحكيم الرياضية (الطاس) أصدرتا قرارات صادمة للجماهير المغربية، أظهرت أن “النفوذ” المروج له إعلامياً لم يكن سوى وهم، وأن الجامعة عجزت عن بناء ملف قانوني وسياسي متماسك يحمي مصالح الكرة المغربية.

بلغت الانتقادات ذروتها مع الملفات ذات البعد السيادي، خصوصاً الشكايات التي تقدم بها المغرب ضد الجزائر بسبب التصريحات المعادية لوحدته الترابية وإقحام السياسة في الرياضة، ففي أكثر من مناسبة، من تصريحات رسمية مسيئة إلى قضية الخريطة على القمصان، خرج المغرب خاسراً داخل الكاف، بل ووجد نفسه مجبراً على التراجع وإزالة رموزه، بدعوى “حياد الرياضة”.

وهو ما طرح سؤالاً محرجاً: كيف يُعاقَب المغرب باسم إقحام السياسة، بينما تُغضّ المؤسسات القارية الطرف عن ممارسات أكثر فجاجة من أطراف أخرى؟ وأين كان دور ممثلي المغرب داخل الكاف والفيفا في الدفاع الصريح عن هذه القضايا؟

في المقابل، برز دور المغرب، بقيادة فوزي لقجع، كمنقذ تنظيمي للكاف والفيفا: احتضان تظاهرات كبرى في آخر لحظة، توفير بنية تحتية جاهزة، إنقاذ اتحادات قارية من أزمات لوجستية ومالية، وتقديم المملكة كـ“حل دائم” لكل تعثر، هذا الدور، وإن كان يعكس قوة الدولة المغربية وقدرتها التنظيمية، إلا أنه تحوّل في نظر قطاع واسع من الجماهير إلى ما يشبه دور “ممون حفلات”، ينجح في التنظيم، لكنه يفشل في فرض الشروط وحماية المصالح.

جاء نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 ليختزل كل هذا المسار، أحداث غير مسبوقة، انسحاب لاعبين من الملعب، توقف المباراة، ثم استكمالها وتتويج الخصم، في مشهد أضر بصورة الكرة الإفريقية عامة، والمغرب خاصة، دون أن يترتب عنه أي موقف حازم من الجامعة أو ضغط فعلي داخل الكاف.

ما تكشفه هذه الحصيلة ليس غياب الكفاءة التنظيمية، بل غياب الجرأة السياسية داخل المؤسسات القارية، فوزي لقجع نجح في تسويق المغرب كقاعدة لوجستية موثوقة، لكنه أخفق في تحويل هذا الرصيد إلى قوة تفاوضية حقيقية، وبين الصورة اللامعة في الكواليس والنتائج الباهتة على مستوى القرارات، تتعمق قناعة لدى الجماهير بأن الجامعة مطالبة اليوم بمراجعة شاملة لاستراتيجيتها داخل الكاف والفيفا، لأن الدفاع عن المصالح الوطنية لا يتحقق بالصور والابتسامات، بل بالمواقف الصلبة حين تحين لحظة الاختبار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى