حدود النقابي والسياسي: قراءة في انتقال المنسحبين من نقابة FNE إلى نقابة FDT بسيدي بنور

الجديدة بلوس

شهد المقر الإقليمي للنقابة الوطنية للتعليم، العضو في الفيدرالية الديمقراطية للشغل (ف.د.ش)، مساء الأربعاء 12 نونبر 2025، حدثًا نقابيًا أثار كثيرًا من الجدل، تمثل في الإعلان الرسمي عن التحاق جماعي للمنسحبين من نقابة الجامعة الوطنية للتعليم – التوجه الديمقراطي (FNE)، وذلك خلال حفل احتضنه مقر النقابة بسيدي بنور ابتداءً من الساعة السابعة مساءً، وتقرر بالمناسبة تنظيم لقاء احتفالي موسع صباح يوم الأحد 16 نونبر الجاري لتقديم الملتحقين الجدد وترسيم انخراطهم ضمن الهيكلة الجديدة.

غير أن هذا الحدث، الذي قد يبدو للوهلة الأولى انتقالًا طبيعيًا لمناضلين يبحثون عن فضاء نقابي بديل بعد أزمة تنظيمية خانقة، يطرح في عمقه أسئلة جوهرية حول حدود المنطق في الانتقال من نقابة حزبية إلى أخرى لا تقل عنها ارتباطًا بالحزب والسياسة، فالنقابة الوطنية للتعليم (ف.د.ش) معروفة تاريخيًا بقربها من حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وهي جزء من الفيدرالية الديمقراطية للشغل التي تشكل إحدى أذرع الحزب النقابية منذ عقود، فكيف يمكن إذًا تفسير انتقال مناضلين خرجوا من عباءة حزب النهج الديمقراطي العمالي بدعوى رفض التسييس النقابي، إلى نقابة تحمل بدورها إرثًا حزبيا موازيا؟ أهو انتقال من تبعية إلى أخرى؟ أم أنه محاولة لإعادة بناء الذات داخل إطار أقل تصلبًا وأكثر مرونة في احتواء التعدد والاختلاف؟

هذا السؤال يختزل، في جوهره، الأزمة العميقة التي يعيشها الفعل النقابي بالمغرب، إذ تحولت النقابات، في جزء كبير منها، إلى امتدادات تنظيمية لأحزاب سياسية تتخذ منها واجهة لتوسيع نفوذها داخل المؤسسات والقطاعات المهنية، وهو ما يجعل الخط الفاصل بين النقابي والسياسي غائمًا، بل منعدمًا أحيانًا، حيث يتم إفراغ الخطاب النقابي من مضمونه الاجتماعي لصالح خطاب حزبي يتوسل بالشغيلة ويستثمر معاناتها لغايات انتخابية أو إيديولوجية.

في هذا السياق، يبدو أن ما حدث في سيدي بنور لم يكن مجرد اختلاف تنظيمي، بل صدامًا بين منطقين متعارضين: منطق يؤمن بضرورة استقلال النقابة عن الأحزاب، ومنطق آخر يرى في النقابة ذراعًا ضرورية لتكريس حضور حزبي داخل الحقل المهني، فقرار المكتب الوطني للجامعة الوطنية للتعليم – التوجه الديمقراطي بتجميد عضوية الكاتب الإقليمي مراد المعاشي كان بمثابة الشرارة التي فجرت تراكمات طويلة من الاحتقان، وأخرجت إلى العلن صراعًا خفيًا بين تيارات داخل النقابة نفسها، ويجمع كثير من المتتبعين للشأن النقابي بأن الهيمنة السياسية لحزب النهج الديمقراطي العمالي وحليفه الحزب الاشتراكي الموحد قد دفعت النقابة في الإقليم نحو مسار الانقسام والانهيار، بعد أن كانت نموذجًا متميزًا لتجربة شابة ومستقلة عن الاصطفافات السياسية، وقد يؤثر منطق الهيمنة هذا على أنطولوجيا النقابة المذكورة وطنيا.

لكن المفارقة الكبرى اليوم هي أن هذه الرغبة في التحرر من “الهيمنة النهجاوية” قادت المنسحبين إلى أحضان تنظيم آخر له بدوره سجل تاريخي في التداخل بين النقابي والسياسي، وهو ما يثير المخاوف من إعادة إنتاج نفس الميكانيزمات التي أضعفت النقابات المغربية، سواء تعلق الأمر بالانغلاق التنظيمي، أو بتغليب المصالح الحزبية على المطالب المهنية والاجتماعية للشغيلة.

إن قراءة المشهد الحالي تكشف عن مأزق مزدوج: فمن جهة، لا يمكن إنكار أن التحاق المنسحبين من FNE بالنقابة الوطنية للتعليم يشكل رد فعل مشروعًا على ممارسات بيروقراطية وهيمنة حزبية أفقدت العمل النقابي مصداقيته، ومن جهة ثانية، فإن هذا الالتحاق يظل، في حد ذاته، تحركًا رمزيًا أكثر منه تحولا نوعيًا، طالما لم يصاحبه وعي نقدي عميق يعيد الاعتبار لمفهوم النقابة كإطار للتأطير والدفاع عن الحقوق، لا كأداة في يد التنظيمات الحزبية.

لقد أفرغت الصراعات الحزبية النقابات من مضمونها، وحولتها إلى ساحات لتصفية الحسابات بين التيارات السياسية والايديولوجية، وما لم يُستوعَب الدرس جيدًا، فإن تجربة الملتحقين الجدد مهددة بتكرار سيناريو الفشل الذي عرفته نقابة FNE بالإقليم، خاصة إذا استمرت العقلية نفسها في إدارة الاختلاف، وظل الارتباط الحزبي معيار الولاء والانتماء بدل الكفاءة والموقف النقابي المبدئي.

في النهاية، لا يمكن اعتبار ما يجري بسيدي بنور سوى صورة مصغرة لأزمة أعمق يعيشها الحقل النقابي الوطني، أزمة غموض الحدود بين ما هو نقابي وما هو سياسي، فالنقابات، في ظل ارتهانها للأحزاب، لم تعد فضاءً ديمقراطيًا حقيقيًا، بل باتت تعكس توازنات حزبية ضيقة، تُسقِط على هموم الشغيلة صراعات لا تعنيها، وبين الانسحاب من نقابة يسارية والالتحاق بأخرى تحمل في العموم ذات اللون الايديولوجي، يظل السؤال الجوهري معلقًا: متى تتحرر النقابات المغربية من وصاية الأحزاب، وتستعيد وظيفتها الأصلية كصوت حر للشغيلة لا كأداة في يد الفاعل الحزبي؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى