إلى متى سيبقى تدبير جماعة الجديدة يدار بمنطق السرية؟..تقرير المجلس الجهوي للحسابات ليس وثيقة سرية

ليست الديمقراطية المحلية مجرد شعارات ترفع في المناسبات الرسمية، ولا الحكامة الجيدة مجرد عبارات تتزين بها البرامج الانتخابية، بل هي التزام دستوري وقانوني يقوم على الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتمكين المنتخبين من ممارسة أدوارهم الرقابية كاملة دون تضييق أو حجب للمعلومات.

واليوم، تعيش جماعة الجديدة وضعا يثير أكثر من علامة استفهام، بعدما اضطرت مكونات المعارضة إلى توجيه مراسلة رسمية إلى رئيس الجماعة تطلب فيها تمكينها من نسخة من تقرير المجلس الجهوي للحسابات لجهة الدار البيضاء – سطات، المتعلق بالمهمة الرقابية التي همت تدبير مالية الجماعة خلال الفترة الممتدة من 11 نونبر 2024 إلى 8 ماي 2025.

إن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: لماذا هذا التكتم؟ ولمصلحة من يستمر حجب تقرير رقابي أنجزته مؤسسة دستورية مستقلة؟..إن المجلس الجهوي للحسابات ليس جهازا سياسيا، ولا هيئة لتصفية الحسابات، بل مؤسسة دستورية نص عليها الباب العاشر من دستور المملكة، تضطلع بمراقبة تدبير المال العام وتقييم أداء الجماعات الترابية، بهدف ترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة وحماية المال العام وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

والأخطر من ذلك، أن مرور أشهر على انتهاء المهمة الرقابية دون تمكين أعضاء المجلس الجماعي من التقرير، يجعل ممارسة اختصاصاتهم الرقابية مجرد ممارسة شكلية، ويطرح تساؤلات حقيقية حول مدى احترام مقتضيات القانون التنظيمي رقم 113.14.

لقد كانت المادة 214 من القانون التنظيمي واضحة عندما أوجبت إخبار المجلس الجماعي بتقارير المجالس الجهوية للحسابات والتداول بشأنها داخل دوراته، حتى يتمكن الأعضاء من دراسة الملاحظات والتوصيات واتخاذ الإجراءات الكفيلة بتصحيح الاختلالات، أما تحويل التقرير إلى وثيقة محجوبة، فهو يفرغ النص القانوني من محتواه، ويعطل الوظيفة الرقابية للمجلس الجماعي.
كما أن المادة 269 من القانون نفسه تؤكد أن تدبير شؤون الجماعات الترابية يقوم على الديمقراطية التشاركية والشفافية والمحاسبة، إضافة لسيادة القانون وحسن تدبير المرافق العمومية، فأين نحن اليوم من هذه المبادئ؟

لقد جاء دستور 2011 ليؤسس لمرحلة جديدة، تقوم على ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو ما أكده جلالة الملك محمد السادس في مختلف خطبه، حيث شدد مرارا على أن لا أحد فوق القانون، وأن تخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة يشكلان أساس بناء دولة المؤسسات.

كما دعا جلالته في أكثر من خطاب إلى جعل الإدارة والجماعات الترابية فضاءات للشفافية والنزاهة، وإلى القطع مع كل أشكال التدبير المغلق الذي يغيب المعلومة ويضعف ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة.
وفي السياق نفسه، ما فتئت وزارة الداخلية، من خلال دورياتها ومذكراتها الموجهة إلى الولاة والعمال ورؤساء الجماعات، تؤكد على ضرورة احترام حق المنتخبين في الولوج إلى الوثائق الإدارية ذات الصلة باختصاصاتهم، وتفعيل آليات الحكامة الجيدة، والانفتاح على مكونات المجالس، باعتبار ذلك مدخلا أساسيا لتحسين الأداء الجماعي.

إن حجب تقرير المجلس الجهوي للحسابات لا يضر فقط بحقوق أعضاء المجلس، بل يمس أيضا بحق المواطنين في معرفة حقيقة تدبير المال العام، وهو حق دستوري يكفله الفصل 27 من الدستور المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات، كما يتقاطع مع مبادئ الفصول 1 و6 و154 التي تؤكد أن المرافق العمومية يجب أن تقوم على الشفافية والمساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

إن استمرار الصمت حول هذا التقرير لا يخدم صورة المؤسسة الجماعية، بل يغذي الشكوك ويمنح الإشاعة مجالا أوسع من الحقيقة، وإذا كان التقرير يتضمن ملاحظات إيجابية، فمن حق الرأي العام الاطلاع عليها، وإذا كان يتضمن اختلالات، فمن الواجب مناقشتها واتخاذ الإجراءات الكفيلة بتصحيحها، لأن التقارير الرقابية وجدت للإصلاح، لا للحفظ داخل الأدراج.

وفي اتصال مع المعارضة فقد عبروا عن استيائهم من الطريقة التي تدبر بها البلدية وعن تدمرهم من غياب الشفافية واكدوا لنا أنهم يوجهون
نداء إلى السيد عامل إقليم الجديدة
باعتباره ممثل السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية، والساهر على تطبيق القانون واحترام المشروعية داخل الجماعات الترابية، ويناشدونه قصد التدخل من أجل ضمان احترام مقتضيات القانون التنظيمي رقم 113.14، وتمكين جميع أعضاء مجلس جماعة الجديدة من نسخة كاملة من تقرير المجلس الجهوي للحسابات، وإدراجه ضمن جدول أعمال أقرب دورة للمجلس قصد مناقشته بكل شفافية ومسؤولية.

فهذا التدخل لا يهدف إلى الانتصار لطرف سياسي على حساب آخر، وإنما إلى الانتصار لدولة القانون، ولمكانة المؤسسات الدستورية، ولحق المنتخبين في ممارسة مهامهم، ولحق ساكنة الجديدة في معرفة كيفية تدبير المال العام.

لقد آن الأوان لأن تنتقل جماعة الجديدة من منطق “السرية” إلى ثقافة “الشفافية”، ومن تدبير الملفات داخل الغرف المغلقة إلى مناقشتها تحت قبة المجلس وأمام الرأي العام، فالمجالس المنتخبة لا تقاس بعدد الدورات التي تعقدها، وإنما بمدى احترامها للقانون، وانفتاحها على الحقيقة، وقدرتها على تحويل التقارير الرقابية إلى برامج للإصلاح، لا إلى وثائق ممنوع الاقتراب منها.

ويبقى السؤال قائما:
إلى متى سيظل تقرير مؤسسة دستورية مستقلة حبيس الرفوف، بينما ينتظر المواطنون والمنتخبون معرفة الحقيقة كاملة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى