الجديدة: هل تحولت “الصفحات المجهولة” إلى أذرع دعائية موازية قبيل انتخابات 2026؟

في ظل اقتراب الاستحقاقات التشريعية المرتقبة سنة 2026، بدأت ملامح ظاهرة رقمية مثيرة للجدل تفرض نفسها بقوة في الفضاء الأزرق، حيث ظهرت خلال الأسابيع الأخيرة عشرات الصفحات على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، تنشط بشكل مكثف في نشر محتويات إعلامية ذات طابع ترويجي، تستهدف بالأساس تلميع صورة عدد من المنتخبين بجماعة الجديدة.
هذه الصفحات، التي تفتقر في معظمها إلى أي هوية قانونية واضحة أو معطيات تعريفية دقيقة، لا تخضع – بحسب متتبعين – لمقتضيات قانون الصحافة والنشر، ولا تحترم شروط الملاءمة القانونية والتنظيمية المفروضة على المؤسسات الإعلامية المهنية، ما يطرح تساؤلات حقيقية حول طبيعة هذه المنصات، والجهات التي تقف وراءها، والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها.
اللافت في نشاط هذه الصفحات هو الوتيرة السريعة لنشر المحتوى، حيث يتم بث عشرات المنشورات يومياً، تتضمن صوراً وفيديوهات وتقارير “شبه إخبارية”، غالباً ما تقدم المنتخبين المعنيين في صورة إيجابية مبالغ فيها، مع تغييب تام لأي طرح نقدي أو تعددية في الآراء.
كما يُسجل استعمال مكثف لتقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج هذا المحتوى، سواء على مستوى تحرير النصوص، أو توليد الصور، أو حتى تركيب مقاطع فيديو تبدو في ظاهرها احترافية، لكنها تفتقر إلى المعايير المهنية والأخلاقية للعمل الصحفي.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ تشير مؤشرات رقمية واضحة إلى لجوء هذه الصفحات إلى شراء الإعجابات والتعليقات والمشاهدات، بهدف خلق انطباع زائف بوجود تفاعل شعبي واسع مع المحتوى المنشور، وهو ما يعتبره خبراء في الإعلام الرقمي شكلاً من أشكال “الهندسة الاجتماعية” التي تستهدف التأثير على الرأي العام وتوجيهه بشكل غير شفاف.
هذا الوضع يطرح إشكالات قانونية وأخلاقية عميقة، خاصة في ظل وجود ترسانة قانونية تؤطر العمل الصحفي والإعلامي، وتلزم الفاعلين باحترام قواعد المهنة من مصداقية وشفافية واستقلالية، كما أن استعمال هذه الوسائل الرقمية في الترويج السياسي غير المعلن قد يدخل في خانة الدعاية الانتخابية السابقة لأوانها، وهو ما قد يخل بمبدأ تكافؤ الفرص بين المرشحين.
وتأتي هذه الظاهرة في وقت يتجدد فيه النقاش حول ضرورة تخليق الحياة السياسية وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة، حيث يرى متابعون أن مثل هذه الممارسات تسيء إلى المسار الديمقراطي، وتكرس منطق “الصورة المصطنعة” بدل التنافس على أساس البرامج والإنجازات الفعلية.
في المقابل، تتعالى أصوات تطالب بضرورة تدخل الجهات المختصة، سواء على المستوى القانوني أو التنظيمي، من أجل ضبط هذا النوع من المحتوى، ومساءلة القائمين عليه، خاصة عندما يتعلق الأمر بتضليل الرأي العام أو التأثير غير المشروع على العملية الانتخابية.
كما يدعو مهنيون إلى تعزيز الوعي الرقمي لدى المواطنين، وتمكينهم من أدوات التمييز بين المحتوى الإعلامي المهني والمحتوى الدعائي الموجه، في ظل بيئة رقمية باتت أكثر تعقيداً بفعل التطورات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي.
بين حرية التعبير والانفلات الرقمي، يظل التحدي الأكبر هو إيجاد توازن يضمن انفتاح الفضاء الرقمي دون أن يتحول إلى أداة للتلاعب بالرأي العام، خاصة في سياق انتخابي حساس، فهل تتحرك الجهات المعنية في الوقت المناسب، أم أن “الدعاية الذكية” ستسبق القانون بخطوات؟







