فوضى الملك العمومي بالجديدة تفضح فشل تدبير ملف الباعة الجائلين

يشكل ملف الباعة الجائلين بمدينة الجديدة أحد أبرز التحديات المرتبطة بتدبير الفضاء العمومي وتحقيق التوازن بين احترام القانون وضمان الحق في العيش الكريم لفئات واسعة من المواطنين الذين فرضت عليهم الظروف الاقتصادية والاجتماعية ممارسة هذا النشاط غير المهيكل. فالإشكال لم يعد مرتبطا فقط باحتلال الملك العمومي أو عرقلة السير والجولان، بل أصبح يعكس غياب رؤية مؤسساتية متكاملة قادرة على معالجة جذور الظاهرة بشكل مستدام.

إن معالجة هذا الملف لا يمكن أن تختزل في حملات ظرفية لتحرير الملك العمومي أو في مقاربات أمنية وزجرية مؤقتة، لأن التجارب الميدانية أثبتت أن هذه التدخلات، رغم أهميتها في فرض احترام القانون، تبقى محدودة الأثر ما دامت لا تواكبها بدائل عملية وتنظيمية واضحة، فسرعان ما تعود الفوضى إلى الشوارع والأحياء بسبب استمرار الأسباب الحقيقية التي أدت إلى انتشار التجارة غير المهيكلة، وفي مقدمتها البطالة والهشاشة وغياب فضاءات تجارية مهيأة لاستيعاب الباعة المتجولين.

وفي هذا السياق، يتحمل رئيس جماعة الجديدة ومكتبه المسير مسؤولية مباشرة في ما آلت إليه أوضاع عدد من الشوارع والساحات العمومية من فوضى واختلالات، نتيجة غياب استراتيجية علمية وتقنية واضحة لتدبير هذا القطاع، رغم أن القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات يمنح للجماعة صلاحيات واسعة في مجال تنظيم الأسواق والمحافظة على الملك العمومي وتدبير السير والجولان وخدمات القرب.

وكان يفترض بالمجلس الجماعي أن يبادر، في إطار اختصاصاته، إلى إعداد مخطط متكامل لإعادة تنظيم التجارة غير المهيكلة، يقوم على إحداث أسواق نموذجية وفضاءات مهيأة تستجيب للشروط الصحية والتنظيمية، مع تحديد مناطق خاصة بممارسة النشاط التجاري وفق تصور عمراني يحفظ جمالية المدينة ويضمن انسيابية الحركة واحترام حقوق الساكنة.

كما أن تدبير هذا الملف كان يستوجب اعتماد مقاربة تشاركية تقوم على الحوار مع الباعة والجمعيات المهنية والسلطات المحلية ومختلف المتدخلين، بدل الاكتفاء بحلول مناسباتية لا تنتج سوى توترات اجتماعية مؤقتة دون معالجة حقيقية للأزمة. فالإدماج التدريجي للباعة الجائلين داخل الاقتصاد المنظم، عبر آليات قانونية وتنظيمية واضحة، يظل أحد المداخل الأساسية لتحقيق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي داخل المدينة.

غير أن ما يسجل على مستوى تدبير هذا الملف بالجديدة هو استمرار حالة الارتجال وغياب التخطيط الاستباقي، وهو ما ساهم في تفاقم مظاهر الفوضى والعشوائية بعدد من الأحياء والمحاور الرئيسية، في ظل ضعف المراقبة، وغياب فضاءات بديلة كافية، وعدم توفير شروط التنظيم والنظافة والسلامة داخل المناطق التي تعرف انتشاراً واسعاً للباعة المتجولين.

إن المدينة لا يمكن أن تدبر فقط بمنطق الحملات المؤقتة أو الحلول الظرفية ذات الطابع الإعلامي، بل تحتاج إلى رؤية تنموية شاملة توازن بين احترام القانون والبعد الاجتماعي والاقتصادي للظاهرة. فنجاح أي سياسة لتنظيم الباعة الجائلين يظل رهيناً بتوفير بدائل واقعية، واعتماد تخطيط حضري وتجاري عقلاني، وتفعيل المسؤولية المؤسساتية للمجلس الجماعي ورئاسته، بما يضمن حماية الملك العمومي وتحسين جمالية المدينة وصيانة حق المواطنين في العمل والعيش الكريم ضمن إطار منظم وحضاري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى