مدينة تتنفس بصعوبة… كوسومار في قلب الجدل البيئي بسيدي بنور

في قلب إقليم سيدي بنور، يقف معمل كوسومار كقطب صناعي مرتبط بإنتاج السكر على الصعيد الوطني، غير أن كلفته البيئية والاجتماعية داخل المدينة أصبحت اليوم عنوانا يوميا للجدل والاحتقان، في ظل وضع لم يعد ينظر إليه كأثر جانبي، بل كمعطى دائم يفرض نفسه على حياة السكان.
فالرائحة المنبعثة من محيط المعمل ليست حالة عابرة ولا مرتبطة بفترات ظرفية، بل واقع يومي متواصل طيلة السنة، يتغير في شدته لكنه لا يغيب، إذ أن هذه الانبعاثات تمتد خارج أسوار المعمل لتخترق أحياء سكنية كاملة، حتى أصبح عدد من السكان يعيشون تحت وطأة هواء مثقل بروائح خانقة، تفقد المدينة جزءا من قدرتها على التنفس الطبيعي.
ومع مرور الوقت، تحول هذا الوضع إلى مصدر قلق صحي متزايد، حيث تتسع دائرة الشكايات المرتبطة بمشاكل تنفسية وحساسية وضيق في التنفس، خصوصا لدى الأطفال وكبار السن، في مشهد يعكس تراجعا واضحا في جودة البيئة الحضرية داخل المدينة، واستمرار تأثير مباشر لنشاط صناعي ثقيل على الحياة اليومية للساكنة.
ولم يتوقف الأمر عند البعد البيئي، إذ يفتح ملف التشغيل بدوره بابا واسعا للتساؤل، في ظل ما يعتبره عدد من شباب المدينة تهميشا غير مبرر لطاقاتهم داخل معمل يوجد في محيطهم الجغرافي ويستفيد من خيرات المنطقة، دون أن ينعكس ذلك بشكل ملموس على فرص الشغل المحلية.
إلى جانب ذلك، تواصل الشاحنات الثقيلة المكلفة بنقل الشمندر السكري نشاطها المكثف على مدار السنة، مخلفة ضغطا كبيرا على البنية الطرقية، التي بدأت تظهر عليها علامات التآكل والتدهور، في ظل حركة يومية لا تهدأ تزيد من تعقيد الوضع المروري وتثقل كاهل الساكنة.
أمام هذا المشهد، لم يعد النقاش مرتبطا فقط بدور المعمل الاقتصادي، بل تحول إلى سؤال أعمق حول كلفة هذا النشاط على صحة السكان وجودة حياتهم، ومدى الحاجة إلى إعادة ضبط العلاقة بين الإنتاج الصناعي والحق في بيئة سليمة.
فالاستمرار في نفس النسق دون حلول جذرية يكرس واقعا غير متوازن، حيث يربح النشاط الصناعي موقعه الاقتصادي، بينما تخسر الساكنة حقها الأساسي في هواء نقي ومدينة قابلة للعيش بشكل طبيعي.





