عمال النظافة بسيدي علي بن حمدوش.. “عبودية” في القرن الواحد والعشرين تحت أنظار المسؤولين

في وقت تتحدث فيه الدولة عن تعميم الحماية الاجتماعية وصون كرامة الأجراء واحترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، تكشف معطيات صادمة متداولة بشأن أوضاع عمال النظافة بجماعة سيدي علي بن حمدوش بإقليم الجديدة عن واقع مغاير تماما، يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى احترام قانون الشغل والحد الأدنى من الحقوق الإنسانية داخل هذه الجماعة.
فبحسب شهادة تم تداولها على نطاق واسع، يشتغل عدد من عمال النظافة من الساعة الخامسة صباحا إلى حدود الثامنة مساء، أي ما يقارب خمس عشرة ساعة يوميا، مقابل أجر لا يتجاوز خمسين درهما في اليوم، في مشهد يصعب تصديقه في سنة 2026، ويعيد إلى الأذهان ممارسات كان يفترض أنها اندثرت مع تطور التشريعات الاجتماعية والحقوقية.
الأخطر من ذلك أن هؤلاء العمال، وفق المعطيات نفسها، يشتغلون خارج أي إطار قانوني واضح، دون تسجيل بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ودون استفادة من التغطية الصحية أو التعويضات العائلية أو التقاعد، وكأنهم مجرد أرقام يتم استهلاكها يوميا ثم التخلص منها متى انتهت الحاجة إليها.
وإذا صحت هذه المعطيات، فإن الأمر لا يتعلق فقط بخرق بسيط للقانون، بل بضرب صريح لمقتضيات مدونة الشغل وللمبادئ الدستورية التي تضمن الحق في الشغل اللائق والعيش الكريم، فضلا عن تعارضه مع الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحماية العمال والتي صادق عليها المغرب.
وتزداد الصورة قتامة عندما تشير الشهادات إلى أن الأجور لا يتم تحويلها عبر المؤسسات البنكية كما هو معمول به في العديد من القطاعات، بل تسلم نقدا داخل أظرفة تحمل أسماء المستخدمين، في طريقة تثير الكثير من التساؤلات حول الشفافية وتتبع الأجور والتصريحات الاجتماعية والضريبية المرتبطة بها.
ولا يتوقف الأمر عند أعمال النظافة فقط، بل يمتد – حسب المصادر ذاتها – إلى تكليف هؤلاء العمال بأشغال إضافية خلال موسم مولاي عبد الله أمغار، من قبيل نصب الخيام وإزالتها، فضلا عن استدعائهم في أوقات متأخرة من الليل كلما دعت الحاجة، دون الحديث عن تعويضات أو ساعات إضافية أو ضمانات تحفظ حقوقهم.
إن الحديث عن عمال يشتغلون لساعات طويلة بأجور هزيلة، دون حماية اجتماعية أو استقرار مهني أو احترام لزمن الراحة الأسبوعية، ليس مجرد ملف إداري عابر، بل قضية كرامة إنسانية تستوجب فتح تحقيق جدي للوقوف على حقيقة هذه المعطيات وترتيب المسؤوليات القانونية والإدارية إن ثبتت صحتها.
فأي تنمية يمكن الحديث عنها إذا كان من يسهرون على نظافة الجماعة يعيشون أوضاعا توصف بأنها أقرب إلى الاستغلال الممنهج؟ وأي خطاب عن العدالة الاجتماعية يمكن أن يصمد أمام مشاهد عمال يكدحون منذ الفجر إلى الليل مقابل أجر لا يكفي لتأمين أبسط متطلبات العيش؟
أسئلة محرجة تضع المسؤولين المحليين أمام واجب التوضيح، وتفرض على الجهات المختصة التحرك العاجل من أجل ضمان احترام القانون وصون كرامة فئة من العمال يبدو أنها تؤدي الثمن الأكبر في صمت.






