ضغوط حقوقية أم مسطرة قانونية؟ ماذا يقول بلاغ النيابة العامة في قضية علي لمرابط؟

منذ الإعلان عن توقيف الصحفي علي لمرابط، سارعت بعض المنابر والهيئات إلى نسج رواية جاهزة مفادها أن المملكة المغربية بصدد التضييق على حرية التعبير، بل إن بعضها ذهب إلى حد الادعاء بأن أي قرار بالإفراج عنه لن يكون سوى نتيجة “ضغوط حقوقية” أو “إملاءات دولية”، غير أن البلاغ الصادر عن وكيل الملك لدى المحكمة الزجرية بالدار البيضاء جاء ليقدم رواية مؤسساتية مؤسسة على الوقائع القانونية، وليضع حداً لسيل من التأويلات التي سبقت حتى استكمال الإجراءات القضائية.
فالبلاغ أوضح أن المعني بالأمر قدم أمام النيابة العامة بعد انتهاء البحث، وتم استنطاقه وفق الضوابط القانونية، مع تمتيعه بكافة الضمانات التي يكفلها القانون، بما في ذلك حقه في الفحص الطبي، وبعد دراسة وثائق الملف، قررت النيابة العامة استكمال البحث وإجراء الخبرات التقنية اللازمة، مع إطلاق سراحه وإرجاع المحجوزات التي ضبطت بحوزته.
هذه المعطيات ليست مجرد تفاصيل إجرائية، وإنما تعكس فلسفة دولة المؤسسات، حيث لا تصدر القرارات تحت ضغط الحملات الإعلامية أو المواقف السياسية، وإنما بناء على ما تقتضيه المسطرة الجنائية والقواعد القانونية، لو كانت النيابة العامة تخضع لمنطق الضغوط، لما عللت قرارها بأسباب قانونية واضحة، ولما أكدت في الوقت نفسه استمرار البحث وإنجاز الخبرات التقنية اللازمة.
إن ما وقع في هذه القضية يكشف مرة أخرى عن ظاهرة أصبحت تتكرر كلما تعلق الأمر بالمغرب؛ إذ تسارع بعض الجهات إلى إصدار الأحكام المسبقة، وتسويق روايات سياسية قبل أن تستكمل العدالة مسارها الطبيعي، وعندما تأتي الوقائع الرسمية مخالفة لتلك الروايات، يختفي أصحابها أو يتجاهلون المعطيات الجديدة، وكأن الهدف لم يكن البحث عن الحقيقة، بل تكريس صورة نمطية سلبية عن المملكة.
وليس المقصود من ذلك أن البلاغ الرسمي يحسم في موضوع القضية أو يحدد مآلاتها النهائية، فذلك يبقى رهيناً بما ستسفر عنه الأبحاث والخبرات التي أمرت بها النيابة العامة، غير أن ما يمكن الجزم به هو أن الإجراءات التي أعلن عنها البلاغ تؤكد احترام الضمانات القانونية، وتفند الادعاءات التي روجت لفكرة أن حرمان المعني بالأمر من حقوقه أو استمرار توقيفه كان أمراً محسوماً.
لقد رسخ دستور المملكة المغربية مبدأ استقلال السلطة القضائية، وأناط بالنيابة العامة صلاحية ممارسة اختصاصاتها وفق القانون، بعيداً عن أي تأثير أو توجيه. وما عرفته قضية علي لمرابط يقدم مثالاً عملياً على أن المؤسسات القضائية تواصل عملها وفق منطق المسطرة القانونية، لا وفق الضجيج الإعلامي أو الحملات التي تسعى إلى التأثير في الرأي العام.
إن دولة الحق والقانون لا تقاس بالشعارات، وإنما بقدرة مؤسساتها على تطبيق القانون على الجميع، واحترام قرينة البراءة، وضمان حقوق الدفاع، واتخاذ القرارات بناءً على المعطيات القانونية وحدها، وهذا بالضبط ما عكسه البلاغ الصادر عن النيابة العامة، والذي جاء ليفند الروايات التي حاولت الإيحاء بأن قرارات العدالة المغربية تصنع خارج المؤسسات.
وفي زمن تتسارع فيه الأخبار وتنتشر فيه الأحكام المسبقة، تبقى البلاغات الرسمية الصادرة عن المؤسسات المختصة المرجع الأساس لفهم الوقائع، بعيداً عن التأويلات التي قد تحركها اعتبارات سياسية أو إيديولوجية، أما الحقيقة القانونية، فلا تصنعها الحملات، وإنما تصنعها الوثائق، والمساطر، والقرارات التي تتخذها المؤسسات المختصة في إطار احترام القانون.






