التنظيم الذاتي للصحافة… بين نص القانون وواقع الفوضى والميوعة

بدخول القانون المنظم للمجلس الوطني للصحافة حيز التنفيذ، بعد نشره في الجريدة الرسمية بتاريخ 6 يوليوز 2026، يكون المغرب قد فتح صفحة جديدة في مسار التنظيم الذاتي للمهنة، وهو اختيار لا يكتمل بإجراء انتخابات مهنية فحسب، بل يتطلب قبل ذلك وجود جسم صحفي قادر على حماية نفسه بنفسه، ومقاولات إعلامية تؤمن بأن الصحافة رسالة قبل أن تكون وسيلة لتحقيق نسب المشاهدة أو مكاسب ظرفية.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: هل نحن فعلاً أمام مقاولات إعلامية جاهزة لهذا الاستحقاق، أم أن بعضها سيذهب إلى صناديق الاقتراع وهو يحمل معه نفس الاختلالات التي ساهمت في إضعاف صورة الصحافة المغربية؟
لقد تحول جزء من المشهد الإعلامي، للأسف، إلى فضاء مفتوح لكل من هب ودب، لم يعد الحصول على صفة “إعلامي” يحتاج في بعض الحالات إلى تكوين أكاديمي، ولا إلى تجربة ميدانية، ولا حتى إلى إلمام بأبسط قواعد التحرير الصحفي وأخلاقيات المهنة، يكفي امتلاك صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي أو موقع إلكتروني حتى يصبح البعض ناطقاً باسم الصحافة، في مشهد يسيء إلى المهنيين الحقيقيين الذين راكموا سنوات من التكوين والعمل الميداني.
والأخطر من ذلك أن بعض المقاولات الإعلامية لا تكتفي بالتغاضي عن هذه الظاهرة، بل تساهم في تكريسها، حين تفتح أبوابها لأشخاص يفتقرون إلى الكفاءة المهنية، وتمنحهم مساحة لإنتاج محتويات لا تمت بصلة إلى الأجناس الصحفية المعروفة، فبدل الأخبار المبنية على التحقق، والروبورتاجات، والتحقيقات، والحوارات المهنية، نجد خليطاً من الآراء الشخصية، والإشاعات، والانطباعات، والمحتويات المثيرة التي تبحث عن التفاعل أكثر مما تبحث عن الحقيقة.
هذه الممارسات لا تمثل فقط إخلالاً بقواعد المهنة، بل تضرب في العمق فلسفة التنظيم الذاتي التي جاء بها القانون. فلا معنى لانتخاب مجلس وطني للصحافة إذا كان جزء من المشهد الإعلامي ما يزال يشتغل بمنطق الفوضى، ولا معنى للحديث عن تخليق المهنة بينما تتواصل ممارسات تسيء إلى الصحافة أكثر مما تخدمها.
إن الرهان الحقيقي اليوم ليس انتخاب أعضاء المجلس الوطني للصحافة فقط، بل تنقية البيئة المهنية من كل المظاهر التي أضعفت ثقة المواطن في الإعلام، وإعادة الاعتبار للكفاءة والاستحقاق والتكوين والاحترافية، فالصحافة ليست نشاطاً موسمياً، وليست بطاقة امتياز لحضور التظاهرات، وليست وسيلة لاقتناص الإعلانات أو تحقيق الشهرة السريعة، بل مسؤولية مجتمعية تقوم على خدمة الحقيقة واحترام ذكاء القارئ.
لقد منح القانون الجسم الصحفي فرصة جديدة لترتيب البيت الداخلي، لكن نجاح هذا الورش سيظل رهيناً بمدى استعداد المقاولات الإعلامية نفسها لمراجعة ممارساتها، والقطع مع كل أشكال التسيب، والالتزام الصارم بأخلاقيات المهنة. أما إذا استمرت بعض الجهات في إعادة إنتاج الفوضى نفسها، فإن الانتخابات المقبلة لن تكون سوى تغيير في الوجوه، بينما ستظل الأزمة قائمة.
إن مستقبل الصحافة المغربية لن يصنعه القانون وحده، بل سيصنعه أيضاً ضمير مهني حي، ومقاولات إعلامية مسؤولة، وصحفيون يدركون أن الدفاع عن حرية الصحافة يبدأ أولاً بالدفاع عن مهنيتها.







