بعد خطاب العرش… هل وصلت الرسالة إلى مسؤولي الجديدة؟

ليس من قبيل المصادفة أن يحرص جلالة الملك محمد السادس، في كل خطاب عرش، على مخاطبة ضمير المسؤول قبل مخاطبة المواطن، فالخطاب الملكي لم يكن يوما مجرد مناسبة احتفالية، بل شكل على الدوام خارطة طريق للإدارة الترابية، ورسالة واضحة إلى الولاة والعمال ورجال السلطة بأن جوهر المسؤولية هو خدمة المواطن، والإنصات إليه، والحضور الميداني إلى جانبه.

لقد أكد جلالة الملك في أكثر من مناسبة أن الإدارة يجب أن تكون في خدمة المواطن، وأن رجل السلطة مطالب بالنزول إلى الميدان، والإنصات للساكنة، وتتبع المشاريع، ومعالجة الإشكالات، لا الاكتفاء بالتدبير من خلف المكاتب، وهي فلسفة حكم ظلت تشكل إحدى الركائز الأساسية للنموذج المغربي في تدبير الشأن الترابي.

غير أن ما تداولته أوساط من الحاضرين عقب متابعة خطاب العرش بمقر عمالة إقليم الجديدة، مساء 29 يوليوز 2026، أثار تساؤلات تستحق التوضيح، فقد عبر عدد من الحاضرين عن استغرابهم لكون المناسبة انتهت – بحسب ما تم تداوله – دون إتاحة فرصة السلام على الحاضرين أو التواصل معهم كما اعتاد عليه المواطنون في مناسبات مماثلة، وإذا كانت هناك اعتبارات تنظيمية أو بروتوكولية فرضت ذلك، فإن توضيحها للرأي العام من شأنه أن يزيل أي لبس ويعزز الثقة بين الإدارة والمواطن.

وفي السياق نفسه، أثار عدم حضور عامل الإقليم، وفق ما جرى تداوله، للحفل الذي نظمته أسرة القضاء بمحكمة الاستئناف بالجديدة بمناسبة عيد العرش، تساؤلات إضافية، خاصة وأن هذه المناسبة الوطنية تشكل محطة جامعة لمختلف المؤسسات، ومن حق الرأي العام أن يعرف ما إذا كانت هناك ظروف رسمية حالت دون ذلك، لأن التواصل والوضوح جزء من الحكامة الجيدة.

إن هذه الأسئلة لا تستهدف الأشخاص، وإنما تنطلق من روح الدستور ومن التوجيهات الملكية السامية.

فالفصل 154 من دستور المملكة ينص على أن المرافق العمومية تخضع لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية، وتخدم المواطنين وفق مبادئ المساواة والاستمرارية، كما يؤكد الفصل 155 أن أعوان المرافق العمومية يمارسون وظائفهم وفق مبادئ احترام القانون والحياد والنزاهة والمصلحة العامة، أما الفصل 156 فيجعل من إشراك المرتفقين والإنصات إلى انتظاراتهم مرتكزا لتحسين أداء الإدارة العمومية.

ولم تقتصر هذه الفلسفة على النص الدستوري، بل عززتها التوجيهات الملكية المتكررة، التي شددت على أن الوالي أو العامل ليس مجرد ممثل للإدارة، بل هو مسؤول عن مواكبة التنمية، وتتبع الأوراش، والقرب من المواطنين، والتفاعل مع انتظاراتهم اليومية، كما أن التوجيهات الصادرة عن وزارة الداخلية في إطار تحديث الإدارة الترابية دعت مرارا إلى ترسيخ سياسة القرب، والرفع من جودة الاستقبال، وتحسين التواصل مع المرتفقين.

واليوم، يحق لساكنة إقليم الجديدة أن تتساءل: هل تجسد الإدارة الترابية بالإقليم هذه الرؤية الملكية على أرض الواقع؟ وهل يشعر المواطن بأن المسؤول حاضر في الميدان، يتابع المشاريع، ويقف على الإشكالات، ويستمع إلى الفاعلين والمنتخبين وممثلي المجتمع المدني؟

إن الجديدة تواجه تحديات حقيقية في مجالات التأهيل الحضري، والنظافة، وجاذبية الاستثمار، وحماية التراث، وجودة الخدمات العمومية، وهي ملفات لا تدار فقط بالقرارات الإدارية، وإنما أيضا بالحضور الميداني، والتواصل المستمر، والقيادة القريبة من نبض المواطنين.

إن خطاب العرش لسنة 2026 ينبغي أن يشكل لحظة مراجعة لكل مسؤول، لأن الرسالة الملكية كانت واضحة: المواطن هو محور السياسات العمومية، والإدارة مطالبة بأن تكون في خدمته، لا أن تبتعد عنه.

ولذلك، فإن أفضل جواب عن كل التساؤلات المطروحة ليس الدخول في سجال، وإنما تكريس مزيد من الانفتاح، والتواصل، والحضور الميداني، بما يعزز الثقة بين الإدارة والمواطن، ويترجم فعلياً التوجيهات السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، التي تجعل من خدمة المواطن المعيار الأول لنجاح كل مسؤول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى