لا حدود للجريمة.. فهل تصبح كندا شريكا في مواجهة شبكات التشهير والابتزاز التي تستهدف المغرب؟

لم يكن التحول الذي شهدته المواقف الكندية تجاه قضية الصحراء المغربية مجرد تطور دبلوماسي عابر، بل يحمل في طياته مؤشرات على مرحلة جديدة من العلاقات بين الرباط وأوتاوا، قائمة على الثقة المتبادلة والتعاون الاستراتيجي في مختلف المجالات، وفي مقدمتها المجال الأمني والقضائي.

فإذا كانت كندا قد أكدت رسميا اعتبار مبادرة الحكم الذاتي المغربية أساسا جديا وذا مصداقية لتسوية النزاع الإقليمي حول الصحراء، فإن التصريحات الأخيرة الصادرة عن الشرطة الملكية الكندية بشأن متانة التعاون القائم مع المصالح الأمنية المغربية تكشف بدورها عن إرادة مشتركة لمواجهة التحديات الأمنية المستجدة التي لم تعد تعترف بالحدود الجغرافية أو بالمسافات الفاصلة بين الدول.

وفي هذا السياق، يبرز ملف الجرائم الرقمية العابرة للحدود باعتباره أحد أبرز الملفات التي تفرض نفسها بقوة على أجندة التعاون الثنائي، فخلال السنوات الأخيرة، برزت شبكات وأفراد اتخذوا من الخارج منصات لممارسة أنشطة وصفتها أحكام قضائية وتقارير رسمية وإجراءات قانونية مختلفة بأنها تدخل ضمن التشهير والابتزاز ونشر الأخبار الزائفة والمس بالحياة الخاصة واستهداف مؤسسات الدولة ورموزها السيادية.

ولطالما راهن بعض هؤلاء على صعوبة المتابعة القضائية عبر الحدود، مستفيدين من تعقيدات المساطر القانونية واختلاف الأنظمة التشريعية بين الدول، غير أن العالم تغير بشكل كبير، وأصبحت آليات التعاون القضائي وتبادل المعلومات والمساعدة القانونية المتبادلة أكثر تطورا وفعالية، خاصة عندما يتعلق الأمر بجرائم تتجاوز حدود دولة واحدة وتمس مصالح دول وشعوب متعددة.

ومن هنا تكتسب تصريحات الشرطة الملكية الكندية أهميتها الخاصة، عندما أكدت أن الجريمة لا تعرف حدودا وأن التعاون مع الشركاء المغاربة يشمل مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والاحتيال والجرائم الاقتصادية وغيرها من التهديدات العابرة للحدود، فهذه المقاربة تعكس وعيا متزايدا بأن الفضاء الرقمي لم يعد منطقة خارج القانون، وأن استغلاله للإضرار بالأفراد أو المؤسسات أو الأمن العام لا يمكن أن يظل بمنأى عن المساءلة.

إن المرحلة الجديدة في العلاقات المغربية الكندية تطرح اليوم سؤالا جوهريا: إلى أي حد يمكن أن يتحول التقارب السياسي والدبلوماسي إلى تعاون قضائي أكثر فعالية في تنفيذ الإنابات القضائية ومذكرات البحث الدولية وطلبات المساعدة القانونية المرتبطة بجرائم عابرة للحدود؟

لا يتعلق الأمر بتقييد حرية التعبير أو التضييق على الآراء المخالفة، فالنقاش العمومي والنقد السياسي حق مشروع تكفله القوانين الديمقراطية، لكن الأمر يختلف جذريا عندما يتعلق بأفعال تندرج، وفق قرارات قضائية أو مساطر قانونية، ضمن جرائم التشهير والابتزاز والتهديد والمس بالحياة الخاصة أو استهداف المؤسسات الوطنية بوسائل غير مشروعة.

إن تعزيز التعاون الأمني والقضائي بين الرباط وأوتاوا لن يكون مكسبا للمغرب وحده، بل سيشكل أيضا رسالة واضحة مفادها أن الفضاءات الرقمية العابرة للحدود لا يمكن أن تتحول إلى مناطق آمنة للإفلات من القانون، فدولة القانون لا تتوقف عند الحدود، والعدالة الحديثة أصبحت أكثر قدرة على ملاحقة الجرائم أينما ارتكبت، مع احترام الضمانات القانونية وحقوق الدفاع وسيادة الدول.

ولعل الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في تبادل المعلومات الأمنية، بل في بناء شراكة قضائية متقدمة تجعل من مكافحة الجرائم العابرة للحدود أولوية مشتركة، وتؤكد أن زمن الاختباء وراء المسافات الجغرافية أو الاختلافات القانونية قد بدأ يقترب من نهايته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى