منع نائب رئيس جماعة الجديدة رغم حكم القضاء.. هل أصبحت الأحكام القضائية بلا أثر داخل المؤسسات المنتخبة؟

يثير منع نائب رئيس جماعة الجديدة، السيد (ع.ش)، من حضور الدورة العادية لشهر ماي 2026، رغم صدور حكم قضائي ابتدائي واستئنافي يقضي بإلغاء قرار عزله، أسئلة قانونية ودستورية عميقة تتعلق بمدى احترام المؤسسات المنتخبة لهيبة القضاء، وبحدود السلطة الإدارية في مواجهة الأحكام القضائية النهائية أو المشمولة بالنفاذ.
فالدولة التي تجعل من القضاء سلطة مستقلة، وفق ما ينص عليه دستور المملكة، لا يمكن أن تسمح بتحويل الأحكام القضائية إلى مجرد وثائق شكلية لا تجد طريقها إلى التنفيذ. إن احترام المقررات القضائية ليس خيارا سياسيا أو إداريا، بل هو التزام دستوري وأخلاقي يعكس مدى إيمان المؤسسات بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وبفصل السلط، وبضمان الحقوق والحريات.
إن الحكم القضائي الصادر لفائدة نائب رئيس جماعة الجديدة، ابتدائيا واستئنافيا، بإلغاء قرار العزل، يرتب آثارا قانونية واضحة، أهمها استرجاع المعني بالأمر لكافة حقوقه التمثيلية والسياسية المرتبطة بالمهمة الانتدابية، ما لم يصدر قرار قضائي آخر مخالف أو يتم سلوك المساطر القانونية المقررة وفق ضوابط القانون التنظيمي للجماعات الترابية
وعليه، فإن حرمان منتخب صدر لصالحه حكم قضائي بالإلغاء من حضور دورة رسمية، يضع الجهة التي اتخذت هذا القرار أمام مسؤولية قانونية وسياسية وأخلاقية، لأن الأمر لا يتعلق فقط بخلاف إداري أو سياسي، بل بمدى احترام قوة الشيء المقضي به، التي تعتبر من المبادئ الأساسية لدولة الحق والقانون.
إن دستور 2011 كان واضحا عندما أكد في الفصل 126 أن “الأحكام النهائية الصادرة عن القضاء ملزمة للجميع”، كما أن الفصل 117 حمل القاضي مسؤولية حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي، وبالتالي فإن أي ممارسة قد تفهم على أنها التفاف على حكم قضائي، أو تعطيل لآثاره القانونية، تطرح علامات استفهام حقيقية حول احترام المؤسسات لروح الدستور ومكانة القضاء داخل البناء الديمقراطي الوطني.
ومن جهة أخرى، فإن المنتخبين والمنتخبات، مهما اختلفت مواقعهم السياسية أو انتماءاتهم الحزبية، يجب أن يتمتعوا بضمانات قانونية واضحة تحميهم من أي تعسف أو تأويل إداري قد يمس بحقهم في ممارسة المهام التي خولها لهم القانون والدستور، فالمسؤولية السياسية ينبغي أن تمارس في إطار القانون، وليس بمنطق تصفية الخلافات أو توظيف المساطر بشكل يثير الشكوك حول الحياد والإنصاف، وفي هذا السياق، يبرز دور وزارة الداخلية باعتبارها الجهة الوصية على احترام القانون داخل الجماعات الترابية، والساهرة على حسن تطبيق المقتضيات التنظيمية المؤطرة للعمل الجماعي. لذلك، فإن الحاجة أصبحت ملحة لتدخل واضح يضمن احترام الأحكام القضائية، ويحمي المنتخبين والمنتخبات من أي ممارسات قد تمس بحقوقهم الدستورية أو بمبدأ الأمن القانوني والمؤسساتي.
إننا اليوم أمام لحظة تستوجب تغليب منطق المؤسسات على الحسابات الضيقة، وترسيخ ثقافة احترام القضاء، لأن قوة الدولة لا تقاس فقط بسن القوانين، بل أيضا بمدى الالتزام بتنفيذها واحترام أحكامها.
ومن هذا المنطلق، فإننا نوجه نداء إلى السيد وزير الداخلية من أجل فتح تحقيق إداري وقانوني في ملابسات منع نائب رئيس جماعة الجديدة من ممارسة حقه في حضور الدورة، رغم الأحكام القضائية الصادرة لفائدته، والعمل على ضمان احترام القانون وصيانة حقوق كافة المنتخبين والمنتخبات، حماية للمسار الديمقراطي المحلي، وترسيخا لمبدأ دولة الحق والقانون التي جعلها جلالة الملك محمد السادس خيارا استراتيجيا لا رجعة فيه.






