نظرة على هامش قرار المحكمة الدستورية المتعلق بالقانون 16.22 المتعلق بالعدول

محمد البهجي – باحث في الحكامة القانونية والقضائية

شهدت الدورة التشريعية الحالية إرادة كبيرة من أجل إفراد تشريع جديد لمهنة العدول. ليس من الضروري التأكيد على أن مهنة العدول من المهن العريقة الراسخة في حياة ووجدان المغاربة اجتماعيا وتوثيقا وفكريا، في أفراح المغاربة كما في أقراحهم. كما أنه من الغني عن البيان ارتباط هذه المهنة بأواصر متينة بإمارة المؤمنين وتوثيق العدول للبيعة لأمير المؤمنين.

بعد مسار تشريعي، تمت إحالة القانون المصادق عليه على المحكمة الدستورية التي قال عنها الملك الراحل الحسن الثاني انه لا راد لقضائها مخاطبا آنذاك الأمة ومعلنا عن تأسيس المجلس الدستوري، وذلك قصد فحص دستوريته بموجب إحالة في إطار الفصل 132 من الدستور متوفرة نصاب خمس أعضاء مجلس النواب (قدمت من طرف 93 عضوا نائبا من مجلس أعضاء مجلس النواب).

عند مطالعة القرار يجد القارئ سمات أساسية لمكونات القرار من أهمها أن:

  •  النص المصادق عليه غير جيد:

عند مطالعة النص وما تم فحصه منه من مواد وفقرات؛ يجد المطالع أن المحكمة الدستورية التزمت بدور الفاحص للدستورية وقفت عند هذا الحد، ووقفت كذلك على ضعف جودة صياغة مقتضيات النص المحال عليها، بحيث وضعت يدها على نقاط البياض في النص. كما أنها قامت بدور إجابي في تعليلها وذلك عبر تقديمها لإشارات كانت ستزيد من رصانة النص ومتانته، غير إن التزامها بمهمة الفاحص جعلها تقف عند هذا الحد احتراما لمهمة المشرع.

وهنا مثال لما قامت به بمناسبة فحصها للمادة 134 والتي وجهت فيها صائغ المادة إلى كيفية تعديلها ووجهات فهمها له.

  • النص غير دستوري على استحياء:

من المؤسف أن تعلل المحكمة الدستورية قراراتها بعبارة ” ودون الإثارة التلقائية لعدم الدستورية البينة لباقي مواد ومقتضيات القانون المحال”، أيْ نعم، هذه العبارة تفيد أن هناك مقتضيات أخرى غير دستورية، كما أن نص هذه العبارة جاء سابقا في قرار للمحكمة مرتبط بنص التنظيم القضائي. إن هذا المقتضى يفتح الباب على مصراعيه، للتفسير والتأويل وحتى للتجاوز. حيث يطرح السؤال ما فائدة إيراد هذه العبارة في متن القرار مادامت المحكمة لم تبين أين تلك المقتضيات التي تخالف الدستور بصورة بيَنة؟ وما جدوى ذلك ما دام أنه يمكن ان لن يصادف أن تبسط المحكمة يدها على النص مرة أخرى إن تم حذف او تعديل ما تم إثارته؟

بالتالي صار من الضروري أن تقف المحكمة الدستورية على كل مقتضى وكل فقرة بدل أن تقف على شاطئها دون تبيانها خاصة أمام توطئتها في صدر قرارها ان لها كامل السلطة في بسط يدها على كامل النص دون تقيد بقرار الإحالة ” الفقرة الثالثة من البند الثالث المتعلق بالموضوع”.

إن وقوف المحكمة على جميع مقتضيات كل نص مادةً مادة، وفقرةً فقرة، كفيل بتجويد التشريع من جهة وهو بمثابة دروس يهتدى على ضوئها في جميع مشاريع النصوص المستقبلة، هذا بالإضافة إلى الفائدة الجمة التي توفرها هذه العملية من زيادة إغناء المدرسة القضائية الدستورية المغربية كتجربة رائدة، وخزانة المحكمة غنية بأسفار من الأحكام تشكل في متونها دروسا حية للقراءة الدستورية للتشريع.

هذه أهم الملاحظات التي يتم الوقوف عليها من خلال الاطلاع على قرار المحكمة الدستورية، غير أنه في هذا السياق يجب الوقوف على عدة أمور أخرى:

أولها: بعض ما يتسرب إلى الأذهان أن المحكمة الدستورية يمكنها أن تضيف مقتضيات أو تسحب أخرى أو تقوم بتعديل أخرى، فهذا أمر مجانب لاختصاص المحكمة الدستورية، فالمحكمة الدستورية تقف عند حد فحص النص، ولا تتجاوز ذلك إلى سن مقتضيات، بالتالي فعنوان المشرع واضح جلي من خلال مواد الدستور، والمحكمة الدستورية ملتزمة أشد الالتزام بهذا النطاق أي ” فحص النص”.

ثانيها: أن المحكمة تثير الانتباه  – في كثير من قراراتها- إلى مفهوم ليس متداولا على نحو واسع على مستوى العموم، وهو ” الاختيار التشريعي” هذا المفهوم الذي يمكن مماثلته بمفهوم آخر وهو” المصلحة الإدارية”، غير أن الأول مرتبط بالوظيفة التشريعية والثاني مرتبط بالسلطة الإدارية (التنظيمية)، مفاد هذا المفهوم أن للمشرع اختياراته، وهذه الاختيارات لها مجال واسع، وأنها بالضرورة لا تمس المبادئ الدستورية من جهة. وتبرز من جهة أخرى في تمفصلات العملية التشريعية التي أيا كان مدخلها تبقى رهينة بالحدود الواسعة التي أفردها الدستور للسلطة التنظيمية في توجيه التشريع زمنيا؛ من حيث زمن معالجته في مديريات الأمانة العامة للحكومة ومن حيث العرض على المجلس الحكومي زمنا ومضمونا ومن حيث عرضه على غرف البرلمان كنص يقبل التعديل ورفض التعديل وحتى السحب أيضا وكل ذلك لصالح الحكومة، وكل هذا طبعا في إطار الدستور وإطار القوانين التنظيمية الجاري بها العمل حسب السياق التشريعي.

فمثلا؛ من الاختيارات التشريعية في النص السابق المتعلق بالعدول نجد ” التلقي من عدلين”، ومن الاختيارات التشريعية ” تلقي الودائع”، فلو أراد المشرع أن يكون التلقي من عدل واحد لجاز له ذلك، ولو أراد أن يكون للعدول صندوق ودائع لجاز له ذلك، دون أن يكون لأي جهة حق البحث في السبب والعلة، إلا ما يمكن أن تقدمه المذكرة التقديمية للنص من خطوط عريضة، أو تعليلات بسيطة لن تجد أمامها المحكمة الدستورية ما تواجهها به.

ثالثها: أن عملية الرقابة على النص هي عملية مؤسساتية، وليست معركة بين طرفين أو إرادتين، فمهما كان مدخل النص المفحوص دستوريته (حكومة، فرق برلمانية)، فالأساسي أن يكون النص بصياغة جيدة ومقتضيات متماسكة وواضحة وأن يحترم النسق القانوني للمملكة، وأن يؤطر نقطة أو مجموعة من النقاط التي تدعو الضرورة إلى تأطيره أو تحيين أو تعديل إطاره إن وجد، بالتالي فهذا حوار مؤسساتي صحي ولا غلبة فيه لأحد ولا لأي جهة، ما دامت المصلحة العامة هي المنشودة. بالتالي فبعض الأوصاف والتعليقات التي تطفو على السطح أن فلانا سقط في كذا، وأن المؤسسة كذا أطاحت بكذا، تبقى تعبيرات غير واقعية، تصور التشريع كأنه مباراة ملاكمة!!! بينما الأمر في حقيقته تمرين مؤسساتي بسيط، تمارس فيه كل مؤسسة من مؤسسات الدولة اختصاصاتها المنوطة بها.

رابعها: التشريع بطبعه يتطلب الأناة وعدم الاستعجال، بحيث يخضع النص لمراحل متعددة من الفحص وتوثيق الغاية المرادة منه، واستبيان وجه المصلحة المراد حمايتها وصيانتها، وقراءتها على ما يجب من أوجه، وهذا لا يغيب ان المشرعيين الوظيفيين بحكم مهامهم وتراكم استمراريتهم فيها، غير أنه في بعض المشاريع صار يصعب على المتتبع فلسفة النص خاصة في أطار هذا الزخم التشريعي الذي صار يشكل تماسا كبيرا مع المقتضيات الدستورية، مع الأخذ بالاعتبار أن المتتبع لعمل المحكمة الدستورية، يجد أن تطبق المقتضيات الدستورية بمناسبة الفحص بشكل مرن، أي أنها تلجأ إلى المبدأ الدستوري وإلى روحه مما يزيد من اتساع مجال اتساع المبدأ الدستوري، وهنا أحيل على أن هذا ما دأبت عليه المحكمة الدستورية في شكلها السابق كمجلس دستوري، كما أستعين على هذه الفكرة بالتوجيه الملكي الذي صاحب تجديد ثلث أعضاء المجلس الدستوري  سنة 1999 الذي شدد من خلاله المغفور له الملك الحسن الثاني على ضرورة استحضار القضاة الدستوريين عند ممارسة مهامهم لروح الدستور وفلسفته ومنطوقه.

خامسها: يبدو أنه صار من المهم إعادة النظر في إلزامية النظر في مسطرة ونصاب عرض القوانين (العادية) على نظر المحكمة الدستورية، ولو عبر إقرار آلية وضع المحكمة الدستورية اليد تلقائيا على النص لفحص مطابقته للدستور، أي نعم أن الدستور أفرد مراقبة بعدية للنص تتثمل بألية الدفع بعدم الدستورية، غير أن هذه الآلية لها حدود واقعية مرتبطة بضرورة إثارتها قضائيا بمناسبة نزاع معروض أمام القضاء بالإضافة إلى شروط أخرى رامت الحد من شيوع ممارسة الدفع بعدم الدستورية لتلافي إغراق المحكمة الدستورية بملفات تنعدم فيها الوجاهة، وعدم إثقال كاهل قضاتها  وهم اثني عشر قاضيا بكثرة الملفات، حيث أن هذه الآلية ستخرج المحكمة من حالة ستاتيكية إلى حالة ديناميكية في فحص دستورية الرزنامة القانونية المغربية بجميع نصوصها من جهة، وستشكل عاملا إضافيا مساعدا إلى جانب عملية الدفع بعدم الدستورية في الحفاظ على حقوق الموطنين وامنهم القانوني وتوطيد الأمن القضائي من جهة ثانية. خاصة أمام ما قلناه من تكلفة إجرائية وزمنية ومادية ومناسباتية تتطلبها مسطرة الدفع بعدم الدستورية.

من كل ذلك تبقى مسطرة التشريع والرقابة عليه عمل مؤسساتي عادي تتفاعل فيه كل مؤسسة في حدود الاختصاصات المخولة لها صراحة بموجب أنظمتها. لكن من الضروري على صانعي التشريع مراعاة أن النظام القانوني المغربي يعتمد هرمية النصوص القانونية مما يوجب على صناع النصوص مراعاة ما أمكن الحفاظ على مسافة كافية بين مشروع النص والدستور. من جهة. ومن جهة تانية؛ استحضار ما تركه السلف من وضعية متقدمة في مجال التشريع روحا، وفلسفة، وبلاغة في الصياغة، واقتضابا في المتن. واستثمار تراكمات العمل القضائي الدستوري وتوجيهاته في مناسبات رقابية سابقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى