بين جراح الهجرة ورهانات الاحتفال…هل يتأثر موسم مولاي عبد الله أمغار بأحداث سبتة ومليلية؟

يعيش المغرب، منذ الأحداث الأخيرة التي شهدتها نقاط العبور المؤدية إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، على وقع حالة من الحزن والقلق، بعدما تحولت محاولات العبور الجماعي غير النظامي إلى واحدة من أبرز القضايا التي أعادت المسألة الاجتماعية إلى صدارة النقاش العمومي، ودفعت بالكثير من الأسئلة المرتبطة بواقع الشباب وآفاق المستقبل والهجرة والفرص الاجتماعية والاقتصادية إلى الواجهة من جديد.
ولم يكن وقع هذه الأحداث عادياً على المغاربة، خصوصاً بعدما أعلنت وزارة الداخلية تسجيل 11 حالة وفاة في سياق هذه المحاولات، الأمر الذي منح الواقعة بعداً إنسانياً واجتماعياً يتجاوز النقاش المرتبط بالهجرة غير النظامية وتدبير الحدود، ليصل إلى عمق الأسئلة التي يطرحها المجتمع حول الأسباب والدوافع التي تدفع فئات من الشباب إلى المخاطرة بحياتهم بحثاً عن واقع أفضل.
وفي خضم استمرار أصداء هذه الأحداث في الذاكرة والنقاش العام، يستعد إقليم الجديدة لاستقبال واحدة من أكبر التظاهرات الدينية والتراثية والفنية بالمغرب، ويتعلق الأمر بموسم مولاي عبد الله أمغار، الذي تنطلق فعاليات نسخته لهذه السنة يوم الجمعة 7 غشت 2026، في موعد سنوي يستقطب آلاف الزوار من مختلف مناطق المملكة، ويجمع بين البعد الديني والتراثي وفنون الفروسية والتبوريدة والأنشطة الثقافية، فضلاً عن السهرات الفنية التي أصبحت تشكل أحد أبرز عناصر الجذب الجماهيري للموسم.
ومن هنا يفرض الواقع نفسه سؤالاً مشروعاً: إلى أي حد يمكن أن تؤثر الأحداث الاجتماعية والنفسية التي عاشها المغاربة خلال الأيام الأخيرة على نجاح نسخة هذه السنة من موسم مولاي عبد الله أمغار، خصوصاً أن انطلاقه يأتي في ظرف زمني قصير نسبياً بعد أحداث خلفت ضحايا وأعادت النقاش حول الوضع الاجتماعي إلى الواجهة؟
قد يبدو في الظاهر أن لا علاقة مباشرة بين الواقعتين؛ فالأولى ترتبط بالهجرة والحدود والبحث عن فرص أفضل، فيما يرتبط الموسم بالدين والتراث والفروسية والفن والاحتفال، غير أن العلاقة تصبح أكثر وضوحاً حين ننظر إلى المسألة من زاوية المزاج الاجتماعي العام، إذ إن المناسبات الكبرى لا تنظم في فراغ، وإنما تتأثر، بشكل مباشر أو غير مباشر، بما يعيشه المجتمع من تحولات وأحداث وما يتركه ذلك من آثار نفسية ورمزية على المواطنين.
ومع ذلك، فإن الحديث عن احتمال تأثر الموسم لا يعني بالضرورة توقع تراجع الحضور أو فشل التظاهرة، فالتجارب الاجتماعية تؤكد أن الإنسان لا يتوقف بالضرورة عن البحث عن لحظات الفرح واللقاء الجماعي في أوقات الأزمات، بل قد تصبح المناسبات الجماعية في بعض الأحيان وسيلة لاستعادة الإحساس بالحياة الطبيعية، والتقارب بين الناس، والاحتفاء بالهوية والتراث والانتماء إلى المجال المحلي.
ولهذا، فإن السؤال قد لا يكون فقط: هل سيحضر الزوار؟ وإنما أيضاً: بأي مزاج سيحضرون؟ وهل ستظل السهرات الفنية والاحتفالات قادرة على جذب الجمهور بالوتيرة نفسها في ظل ظرفية اجتماعية مشحونة بالأسئلة والقلق؟
ويكتسي هذا السؤال أهمية خاصة بالنسبة إلى الجانب الفني من الموسم، بالنظر إلى أن السهرات تستقطب عادة أعداداً كبيرة من الشباب والعائلات، وتشكل بالنسبة إلى كثير من الزوار مناسبة سنوية للترفيه واللقاء، وفي الوقت نفسه، فإن الظرفية الراهنة قد تفرض نوعاً من الحساسية في التعاطي مع مظاهر الاحتفال، خصوصاً في ظل استمرار النقاش حول ضحايا الأحداث الأخيرة وما خلفته من مشاعر مختلفة داخل المجتمع.
لكن ذلك لا يعني أن المطلوب هو إلغاء الفرح أو التضييق على الاحتفال، بقدر ما يتعلق الأمر بالحفاظ على قدر من التوازن بين حق المواطنين في الترفيه والاحتفاء بموروثهم الثقافي والديني، وبين احترام مشاعر الأسر التي فقدت أبناءها أو المواطنين الذين ما تزال صور الأحداث الأخيرة وأخبارها حاضرة في وجدانهم.كما أن موسم مولاي عبد الله أمغار لا يمكن اختزاله في السهرات الفنية وحدها، فهو موعد ديني وتراثي واجتماعي واقتصادي له حضور قوي في المنطقة، ويخلق خلال أيامه حركة واسعة في مجالات التجارة والنقل والمطاعم والخدمات والإيواء والأنشطة المرتبطة بالمنتجات المحلية، كما يتيح فضاءً يلتقي فيه أشخاص ينتمون إلى مناطق وفئات اجتماعية مختلفة.
ومن هذه الزاوية، يمكن للموسم أن يكون أكثر من مجرد مناسبة للاحتفال، وأن يتحول إلى فضاء يعكس بعض ملامح المجتمع المغربي في هذه المرحلة، بما يحمله من تطلعات وأسئلة ومخاوف، خصوصاً أن الشباب يشكلون جزءاً مهماً من جمهوره، وإذا كانت أحداث سبتة ومليلية قد أعادت سؤال المستقبل والفرص الاجتماعية إلى النقاش، فإن التظاهرات الكبرى من قبيل موسم مولاي عبد الله أمغار تظل مطالبة، بشكل مباشر أو غير مباشر، بأن تكون أكثر التصاقاً بمحيطها الاجتماعي والثقافي.
وقد يكون من المفيد، في هذا السياق، ألا يقاس نجاح النسخة الحالية فقط بعدد الزوار أو حجم الإقبال على السهرات الفنية، وإنما أيضاً بقدرتها على الحفاظ على التوازن بين البعد الاحتفالي والبعد الثقافي والتراثي والديني، وعلى تقديم صورة عن منطقة قادرة على استثمار موروثها في تعزيز الجاذبية الاقتصادية والسياحية والثقافية، دون أن تنفصل عن الأسئلة الاجتماعية التي تشغل المواطنين.
وبطبيعة الحال، سيكون من السابق لأوانه إصدار حكم مسبق بشأن مدى تأثر موسم مولاي عبد الله أمغار بالأحداث الأخيرة، فالمؤشرات الحقيقية لن تظهر إلا مع انطلاق فعالياته، من خلال حجم الإقبال، وطبيعة الحضور، ومدى تفاعل الجمهور مع مختلف مكونات البرنامج، ومقارنة ذلك بما عرفته النسخ السابقة، مع الأخذ بعين الاعتبار عوامل أخرى قد تؤثر في الحضور، من قبيل الظروف الاقتصادية، والطقس، والبرنامج الفني، والإجراءات التنظيمية والأمنية.
وفي النهاية، ربما يكون موسم مولاي عبد الله أمغار أمام اختبار يتجاوز سؤال النجاح الجماهيري التقليدي، فالمجتمع المغربي الذي عاش خلال الأيام الماضية لحظات من الحزن والقلق، سيجد نفسه في الوقت ذاته أمام موعد للاحتفال والفرح واستحضار الذاكرة الدينية والتراثية، وبين الحزن والفرح لا توجد بالضرورة قطيعة؛ فالمجتمعات تستمر في حياتها، وتحتفظ في الوقت نفسه بقدرتها على التفكير في جراحها وأسئلتها.
وعليه، فإن نجاح موسم مولاي عبد الله أمغار هذه السنة لن يتحدد فقط بعدد الوافدين أو حجم الإقبال على السهرات، وإنما ربما بقدرته على أن يكون احتفالاً لا ينفصل عن واقعه، وفضاءً للفرح دون تجاهل مشاعر المجتمع، ومناسبة لإحياء التراث دون الاكتفاء بالفرجة، وموعداً سنوياً يستطيع أن يجمع المغاربة حول ذاكرتهم الثقافية والدينية، في وقت يحتاج فيه المجتمع أكثر من أي وقت مضى إلى مساحات للقاء والحوار واستعادة الثقة والأمل.
وفي انتظار ما ستكشفه أيام الموسم، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يستطيع موسم مولاي عبد الله أمغار أن يحافظ على زخمه الجماهيري المعتاد، أم أن جراح الأحداث الأخيرة ستلقي بظلالها، ولو بشكل محدود، على المزاج العام وعلى شكل الاحتفال هذه السنة؟




