المرآب البلدي بالجديدة.. عندما يغيب التأهيل وتتراجع الرقابة، تصبح الحكامة على المحك

ليست الحكامة الجيدة شعارا سياسيا يرفع في المناسبات، بل هي التزام دستوري وقانوني يترجم في تدبير المرافق العمومية التي تمس الحياة اليومية للمواطنين، ومن بين هذه المرافق، يحتل المرآب البلدي مكانة خاصة، باعتباره فضاء عموميا توضع فيه سيارات المواطنين ودراجاتهم تحت مسؤولية الإدارة، بما يفرض أعلى درجات اليقظة والتنظيم والشفافية.
غير أن واقع المرآب البلدي بمدينة الجديدة يثير اليوم تساؤلات مشروعة حول مدى احترام قواعد التدبير السليم، في ظل ما يلاحظ من تأخر في إعادة تأهيل هذا المرفق، وعدم برمجة الاعتمادات المالية اللازمة لإنجاز الأشغال الضرورية، وفي مقدمتها إرساء منظومة متكاملة للمراقبة بالكاميرات، رغم ما تكتسيه من أهمية في حماية الممتلكات، وتوثيق الوقائع، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة.
إن الأمر لا يتعلق بمجرد تجهيزات تقنية، بل بمقومات أساسية لضمان أمن المرتفقين، وحماية سياراتهم ودراجاتهم من السرقة أو التخريب أو التلف، وتأمين حقوق الجميع وفق قواعد واضحة للمسؤولية.
ويزداد هذا الوضع إثارة للانتباه عندما يتعلق الأمر بمرفق عمومي يخضع لمقتضيات القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، الذي يلزم الجماعات الترابية بضمان استمرارية وجودة المرافق العمومية، وحسن تدبيرها وصيانتها، وتوفير الاعتمادات المالية الضرورية لتأهيلها، بما ينسجم مع مبادئ النجاعة والشفافية وحسن استعمال المال العام.
كما أن الفصل السادس من دستور المملكة يجعل الجميع، أشخاصا ذاتيين واعتباريين، بمن فيهم السلطات العمومية، خاضعين للقانون وعلى قدم المساواة أمامه، بينما يؤكد الفصل 154 أن المرافق العمومية يجب أن تخضع لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية، وأن تقدم خدماتها وفق مبادئ المساواة والاستمرارية والإنصاف.
أما الفصل 159 من الدستور فقد أسند للمجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية للحسابات مهمة مراقبة تدبير الأجهزة العمومية والجماعات الترابية، وتقييم كيفية استعمال الأموال العمومية، والتأكد من احترام مبادئ الحكامة الجيدة والنجاعة في التدبير.
إن أي تأخر في تحديث هذا المرفق أو في إرساء منظومة للمراقبة الإلكترونية، وأي قصور في تطبيق النظام الداخلي المنظم لخدمة المرآب البلدي أو في تنفيذ الدوريات والمذكرات الصادرة عن وزارة الداخلية بشأن تدبير المرافق الجماعية، يظل موضوعا مشروعا للرقابة والتقييم المؤسساتي، خاصة إذا كان من شأن ذلك التأثير على جودة الخدمة أو سلامة ممتلكات المرتفقين.
ولذلك فإن الرهان اليوم لم يعد يقتصر على إصلاح بناية أو تثبيت كاميرات، بل يتعلق بإعادة الاعتبار لمفهوم المرفق العمومي باعتباره أمانة في عنق المنتخبين والإدارة، وليس مجرد فضاء لتقديم خدمة عادية.
ومن هذا المنطلق، فإننا نوجه نداء مسؤولا إلى السيد وزير الداخلية من أجل تكليف المفتشية العامة للإدارة الترابية بإيفاد لجنة مركزية للقيام بافتحاص إداري ومالي وتقني شامل للمرآب البلدي بمدينة الجديدة، للوقوف على:
- أسباب عدم برمجة وتنفيذ أشغال إعادة التأهيل.
- مدى احترام النظام القانوني المؤطر لتدبير المرآب البلدي.
- وضعية الاعتمادات المالية المخصصة لهذا المرفق وكيفية تدبيرها.
- أسباب عدم تجهيز المرفق بمنظومة حديثة للمراقبة بالكاميرات.
- مدى احترام معايير السلامة والأمن وحماية ممتلكات المرتفقين.
- تحديد المسؤوليات الإدارية والتدبيرية، عند الاقتضاء، في ضوء نتائج الافتحاص.
كما ندعو المجلس الجهوي للحسابات، في إطار اختصاصاته الدستورية والقانونية المنصوص عليها في القانون رقم 62.99 المتعلق بمدونة المحاكم المالية، إلى إدراج هذا المرفق ضمن عمليات مراقبة تدبير المرافق الجماعية، كلما توفرت الشروط القانونية لذلك، باعتبار أن حسن تدبير المال العام لا يقاس بحجم النفقات فقط، وإنما أيضا بمدى تحقيقها للأمن والجودة والنجاعة.
إن مدينة الجديدة، التي تطمح إلى تعزيز جاذبيتها الاقتصادية والسياحية، لا يمكن أن تحقق هذا الهدف دون مرافق عمومية حديثة، مؤمنة، وشفافة، تخضع للمراقبة الدائمة، وتدار وفق مبادئ الدستور وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالدولة التي اختارت ترسيخ دولة المؤسسات لا يمكن أن تقبل بأن تبقى المرافق العمومية بمنأى عن الرقابة، ولا أن تتحول حماية ممتلكات المواطنين إلى مسألة ثانوية، ذلك أن الافتحاص ليس تشكيكا في أحد، بل هو الآلية القانونية التي تحمي الإدارة قبل غيرها، وتعزز ثقة المواطن في مؤسساته، وتكرس سيادة القانون، وتضمن أن يبقى المرفق العمومي في خدمة المواطن، لا عبئا عليه.







