صفقات موسم مولاي عبد الله أمغار…في أفق مناظرة بين السياسي والصحفي

لم يعد النقاش حول صفقات تدبير موسم مولاي عبد الله أمغار مجرد مادة عابرة في المشهد الإعلامي المحلي، بعدما تحولت القضية إلى واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل خلال الأيام الأخيرة، في ظل ما نشرته عدد من وسائل الإعلام من معطيات ووثائق وتأويلات، مقابل ردود رئيس جماعة مولاي عبد الله أمغار، مولاي المهدي الفاطمي، الذي قدم بدوره توضيحات ودفاعاً عن طريقة تدبير هذا الملف.

وبين ما تنشره المنابر الإعلامية وما يقدمه رئيس الجماعة من ردود، تبدو الساحة العمومية اليوم أمام فرصة حقيقية للانتقال من سجال البيانات والمقالات والمنشورات إلى نقاش مباشر، واضح، وشفاف، عنوانه الأبرز: مناظرة علنية بين رئيس جماعة مولاي عبد الله أمغار مولاي المهدي الفاطمي والصحفي حمزة رويجع حول صفقات تدبير موسم مولاي عبد الله أمغار.

قد تبدو الفكرة للبعض جريئة، بل وربما غير مألوفة في النقاشات السياسية والإعلامية المحلية، لكنها في العمق ليست سوى دعوة إلى الاحتكام إلى قوة الحجة والوثيقة والمعطى الدقيق، بعيداً عن منطق التراشق الإعلامي أو الاكتفاء بالردود المتبادلة عبر المنابر والمنصات الرقمية.

فالقضية، في نهاية المطاف، لا تتعلق فقط بخلاف بين صحفي ومسؤول منتخب، ولا ينبغي اختزالها في صراع شخصي أو سياسي، إنها ترتبط بحدث جماهيري كبير يحظى باهتمام واسع، وبكيفية تدبير المال والصفقات المرتبطة بتنظيم موسم ذي أبعاد دينية وثقافية وتراثية واقتصادية وسياحية، وهو ما يجعل من حق الرأي العام أن يفهم كيف جرت الأمور، وما هي المعايير التي اعتمدت، وكيف تم اختيار المتدخلين، وما هي طبيعة الصفقات والتكاليف والالتزامات المرتبطة بها.

وفي المقابل، من حق رئيس الجماعة أن يعرض موقفه كاملاً، وأن يجيب عن المعطيات التي أثيرت بشأن التدبير، وأن يوضح للرأي العام ما يعتبره دقيقاً وما يراه غير صحيح أو مجتزأ أو خارج سياقه، هنا تحديداً تصبح المناظرة المقترحة أكثر من مجرد مواجهة إعلامية؛ إنها يمكن أن تتحول إلى تمرين حقيقي في الديمقراطية المحلية.

فالمناظرة الجادة لا تعني أن ينتصر طرف على آخر، ولا أن تتحول إلى مباراة في رفع الصوت أو تسجيل النقاط، المطلوب هو أن تُطرح الأسئلة بوضوح، وأن تقدم الوثائق عند الحاجة، وأن تكون الإجابات محددة، وأن يتم الفصل بين الوقائع الثابتة وبين التأويلات والاستنتاجات، وبين المسؤولية السياسية والمسؤولية القانونية، وبين النقد الإعلامي والاتهام.

كما أن الاتفاق أو الاختلاف حول خلفيات إثارة ملف صفقات موسم مولاي عبد الله أمغار لا ينبغي أن يحجب نقطة أساسية: إثارة الأسئلة حول تدبير الشأن العام ليست في حد ذاتها ظاهرة سلبية، بل يمكن أن تكون مؤشراً صحياً على حيوية النقاش العمومي، متى التزمت بالقانون والمهنية واحترام الأشخاص والمؤسسات.

وقد تكون هناك بالفعل حسابات سياسية أو خلفيات انتخابية أو تنافسية وراء بعض المواقف، وقد تكون هناك أيضاً دوافع مهنية أو صحفية صرفة لدى من يثيرون هذه الملفات، لكن حتى في حالة وجود اختلاف حول النوايا والخلفيات، فإن ذلك لا يلغي أهمية مناقشة مضمون الأسئلة نفسها.

ففي الديمقراطيات المحلية، لا ينبغي أن يكون السؤال عن المال العام أو الصفقات أو تدبير التظاهرات الكبرى امتيازاً لطرف دون آخر، كما لا ينبغي أن يُنظر إلى النقد الإعلامي باعتباره خصومة شخصية، ولا إلى الرد السياسي باعتباره محاولة لإسكات الصحافة.

بل إن قوة المؤسسات المنتخبة تكمن في قدرتها على مواجهة الأسئلة الصعبة، وقوة الصحافة تكمن في قدرتها على تقديم معطياتها ووثائقها ومصادرها ومناقشتها أمام المسؤولين والرأي العام.

ومن هنا، فإن مناظرة مباشرة بين مولاي المهدي الفاطمي وحمزة رويجع، إذا تمت في إطار مهني ومنظم ومحايد، قد تكون مناسبة للخروج من دائرة “قال وقالوا” إلى دائرة “هذه الوثيقة، وهذا السؤال، وهذه الإجابة”.

ويمكن أن تتناول المناظرة، على سبيل المثال، طبيعة الصفقات موضوع الجدل، مساطر إبرامها، الجهات المتدخلة، الكلفة المالية، المعايير المعتمدة، طبيعة الخدمات المقدمة، ومدى احترام القواعد القانونية والتنظيمية، إضافة إلى المعطيات التي استندت إليها التغطيات الإعلامية، والردود التي قدمتها الجماعة بشأنها.

والأهم أن تكون المناظرة مفتوحة أمام الرأي العام، وأن يتم بثها بشكل مباشر، مع إتاحة الوثائق ذات الصلة للراغبين في الاطلاع عليها، حتى لا يبقى الجمهور مجرد متلقٍ لسجال بين طرفين، وإنما يصبح شريكاً في عملية الفهم والمساءلة.

فإذا كانت المعطيات المنشورة صحيحة، فإن المناظرة ستكون فرصة لتوضيحها وتفسيرها ووضعها في سياقها؛ وإذا كانت بعض المعطيات غير دقيقة، فإنها ستكون فرصة لرئيس الجماعة لتفنيدها أمام الرأي العام بالوثائق والحجج؛ وإذا كانت هناك مناطق رمادية أو أسئلة تحتاج إلى مزيد من التوضيح، فإن النقاش المباشر قد يساعد على كشفها بدل تركها رهينة للتأويلات، في كل الحالات، سيكون الرابح الحقيقي هو الرأي العام.

لذلك، فإن اقتراح مناظرة مباشرة بين رئيس جماعة مولاي عبد الله أمغار مولاي المهدي الفاطمي والصحفي حمزة رويجع لا ينبغي أن يُفهم باعتباره دعوة إلى التصعيد، وإنما باعتباره دعوة إلى ترقية مستوى النقاش.

فبدل أن تستمر القضية في فضاء المنشورات والردود المتبادلة، لماذا لا تنتقل إلى طاولة واحدة، أمام الكاميرات، وبحضور الرأي العام، حيث تكون الوثيقة مقابل الوثيقة، والسؤال مقابل الجواب، والحجة مقابل الحجة؟

إنها فرصة، إن توفرت الإرادة، لتحويل ملف أثار الكثير من الجدل إلى نموذج لنقاش عمومي مسؤول حول تدبير الشأن المحلي.وفي النهاية، ليست المشكلة في أن يختلف الصحفي مع المسؤول المنتخب، ولا في أن يرد المسؤول على الصحفي، بل في أن يتحول الاختلاف إلى خصومة شخصية تُغلق معها أبواب الحوار.

أما إذا كان الاختلاف يدفع نحو مزيد من الشفافية، ويفرض تقديم الوثائق، ويشجع على مساءلة المسؤولين، ويدفع الإعلام إلى التدقيق في معطياته، فإنه يصبح ظاهرة صحية وإيجابية يمكن أن تسهم في الارتقاء بالنقاش العمومي المحلي.

ولعل أفضل رسالة يمكن أن يبعث بها الطرفان في هذه المرحلة هي أن الاختلاف لا يعني القطيعة، وأن النقد لا يعني العداء، وأن المسؤول المنتخب والصحفي، مهما اختلفت مواقعهما، يلتقيان في فضاء واحد اسمه المصلحة العامة وحق المواطن في المعرفة.

فهل يلتقط مولاي المهدي الفاطمي وحمزة رويجع القفاز، ويجلسان وجهاً لوجه أمام الرأي العام، ليتحدث كل طرف بما لديه من معطيات ووثائق وحجج؟

قد تكون تلك المناظرة، إن حدثت، أكثر فائدة من عشرات البيانات والردود والمنشورات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى