شبكات التواصل الاجتماعي…هل يكفي منع الأطفال من استخدامها لحمايتهم؟

أعاد قرار البرلمان الفرنسي القاضي بمنع الأطفال دون سن الخامسة عشرة من الولوج إلى شبكات التواصل الاجتماعي فتح نقاش أوروبي واسع حول مستقبل علاقة القاصرين بالمنصات الرقمية، وحول السبل الأكثر فعالية لحمايتهم من التأثيرات السلبية المحتملة لهذه المنصات على صحتهم النفسية ونومهم ونموهم.

وأقر البرلمان الفرنسي، في 21 يوليوز، قانوناً يمنع الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة من الولوج إلى شبكات التواصل الاجتماعي، لتصبح فرنسا بذلك أول دولة عضو في الاتحاد الأوروبي تتجه إلى اعتماد هذا النوع من الحظر، ويأتي القرار في سياق تصاعد المخاوف بشأن الآثار التي قد يخلفها الاستخدام المكثف للمنصات الرقمية على الصحة النفسية للأطفال والمراهقين، وعلى جودة نومهم وتطورهم النفسي والاجتماعي.

ورغم أن الهدف من القرار يبدو مشروعاً، ويتمثل أساساً في حماية الشباب من التأثيرات السلبية المحتملة لشبكات التواصل الاجتماعي، فإن النقاش الذي أثاره القرار يتجاوز حدود فرنسا، خصوصاً مع استعداد المفوضية الأوروبية لاتخاذ تدابير جديدة ترمي إلى تعزيز حماية القاصرين في الفضاء الرقمي.

ويبدو أن النقاش الأوروبي يتجه بشكل متزايد نحو اعتماد إجابة تقوم على تقييد استخدام الأطفال للمنصات الرقمية، أو تأخير سن الولوج إليها، أو اللجوء إلى الحظر، وهو توجه يمكن تفهم دوافعه بالنظر إلى المخاطر التي أصبحت مرتبطة بالاستخدام غير المنظم للفضاء الرقمي، غير أنه قد لا يكون كافياً لمعالجة جوهر المشكلة.

فالأطفال والمراهقون يعيشون اليوم داخل بيئة رقمية متكاملة تشمل شبكات التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو والألعاب الإلكترونية وتطبيقات التواصل والمراسلة، الأمر الذي يجعل إبعادهم عن منصة معينة لا يعني بالضرورة اختفاء المخاطر المرتبطة بالعالم الرقمي ككل.

ومن هنا تبرز رؤية مختلفة تطرحها الأخصائية النفسية هيدا فانت لاند، التي تدعو إلى تجاوز منطق المنع والتقييد، والانتقال إلى التفكير في البيئة الرقمية نفسها باعتبارها قضية رئيسية من قضايا الصحة العامة، فالسؤال، وفق هذا التصور، لا ينبغي أن يقتصر على كيفية منع الأطفال من استخدام المنصات الرقمية، وإنما يتعين أن يمتد إلى كيفية تصميم فضاء رقمي أكثر أماناً، قادراً على دعم صحتهم النفسية ورفاههم.

ويقتضي ذلك إعادة النظر في الطريقة التي تُصمم بها المنصات الرقمية، وفي آليات جذب انتباه المستخدمين، وطبيعة المحتويات التي تقترح عليهم، والمدة التي يقضونها أمام الشاشات، فضلاً عن مدى تعرض الأطفال لمضامين لا تتناسب مع أعمارهم أو قد تؤثر سلباً في نموهم النفسي والاجتماعي.

كما أن حماية القاصرين في العالم الرقمي لا يمكن أن تكون مسؤولية الأسرة وحدها، بل تستدعي انخراط المدرسة والسلطات العمومية وشركات التكنولوجيا، باعتبار أن البيئة الرقمية أصبحت جزءاً أساسياً من الحياة اليومية للأطفال والمراهقين.

وبينما تتجه فرنسا وأوروبا نحو تشديد القيود على استخدام القاصرين لشبكات التواصل الاجتماعي، يطرح هذا المسار سؤالاً أعمق حول طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تربط الأجيال الجديدة بالتكنولوجيا، فإقصاء الأطفال بشكل كامل عن العالم الرقمي يبدو أمراً صعباً في عصر أصبحت فيه التكنولوجيا جزءاً من التعليم والتواصل والترفيه والحياة الاجتماعية.

لذلك، يبدو التحدي الحقيقي متمثلاً في إيجاد توازن بين حق الأطفال في الحماية وحاجتهم إلى الاستفادة من التكنولوجيا، عبر بناء فضاء رقمي لا يجعل الصحة النفسية والنوم والنمو السليم ثمناً لجذب انتباه المستخدمين.

وفي نهاية المطاف، قد لا يكون الحظر وحده كافياً لحماية الأطفال من مخاطر العالم الرقمي، إذ إن المعركة الأهم ربما تكمن في إعادة تصميم هذا العالم نفسه، وتحويله من بيئة تستهدف انتباه المستخدم إلى فضاء أكثر أماناً وإنسانية، يضع صحة الإنسان ورفاهه في صلب أولوياته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى