PISA 2025: أرقام صادمة تفضح أزمة المدرسة المغربية

وضعت نتائج برنامج التقييم الدولي للتلاميذ PISA 2025 المدرسة المغربية مجدداً أمام مرآة الأرقام، بعدما كشفت استمرار ضعف مستوى التلاميذ المغاربة في الكفايات الأساسية، مقارنة بالعديد من الأنظمة التعليمية المشاركة في هذا التقييم الدولي الذي تنظمه منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD).

وتكتسي نتائج هذه الدورة أهمية خاصة، بالنظر إلى أن التقييم ركز أساساً على العلوم، إلى جانب الرياضيات والقراءة، كما أضاف تقييماً جديداً لمهارات التعلم وحل المشكلات في العالم الرقمي.

وشارك في هذه الدورة أكثر من 760 ألف تلميذ، يمثلون نحو 33 مليون شاب وشابة في سن الخامسة عشرة، عبر 91 دولة واقتصاداً.

وبالنسبة للمغرب، تكشف النتائج استمرار تموقعه في المراتب المتأخرة دولياً، إذ حصل في العلوم، وهي المجال الرئيسي لهذه الدورة، على 358 نقطة، بما يعكس استمرار الصعوبات التي يواجهها المتعلم المغربي في توظيف المعارف وتحليل المعطيات والاستدلال العلمي، وليس فقط في استرجاع المعلومات التي تلقاها داخل الفصل.

ولعل هذه النقطة هي الأكثر إثارة للقلق، فاختبار PISA لا يسأل التلميذ فقط عما حفظه داخل المدرسة، وإنما يختبر قدرته على استخدام ما تعلمه في مواجهة وضعيات ومشكلات واقعية، وحين تظهر النتائج بهذا المستوى المتأخر، فإن النقاش لا ينبغي أن يتوقف عند التلميذ أو الأستاذ، بل يجب أن يمتد إلى الطريقة التي تُنتج بها المدرسة المغربية التعلم نفسه.

فالمشكلة لا تكمن بالضرورة في غياب الإصلاحات، إذ إن المدرسة المغربية عرفت خلال السنوات الماضية سلسلة متتالية من مشاريع الإصلاح والاستراتيجيات والبرامج، لكن استمرار النتائج الضعيفة يطرح سؤالاً أكثر عمقاً: لماذا لا تتحول هذه الإصلاحات بالقدر الكافي إلى تعلم فعلي داخل القسم؟ ذلك أن المدرسة التي ينجح فيها التلميذ في استظهار الدرس، لكنه يجد صعوبة في فهم نص، أو قراءة معطى، أو تفسير ظاهرة علمية، أو حل مشكلة جديدة، تظل بعيدة عن تحقيق الوظيفة الحقيقية للتعليم، فالغاية من المدرسة ليست فقط أن تمنح التلميذ معلومات، وإنما أن تمنحه القدرة على التفكير والفهم والتحليل والتطبيق والتواصل.

وتزداد خطورة الأمر عندما نضع نتائج PISA في سياقها الاجتماعي، فالفوارق الاقتصادية والاجتماعية والمجالية تترك أثراً مباشراً على فرص التعلم، وهو ما يجعل أزمة المدرسة أيضاً أزمة تكافؤ للفرص، وليس من الإنصاف اختزال كل هذه التعقيدات في أداء الأستاذ أو مستوى التلميذ، لأن النتيجة النهائية هي حصيلة منظومة كاملة تتداخل فيها المناهج، والتقويم، والتكوين، والموارد، واللغات، والظروف الاجتماعية، وجودة الحكامة التربوية.

ومع ذلك، فإن النتائج لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لجلد المدرسة المغربية أو التقليل من قيمة المدرس والتلميذ، وإنما إلى فرصة لمواجهة الواقع كما هو، فالأرقام الدولية لا تقيس نوايا الإصلاح ولا حجم الخطابات التي رافقته، بل تقيس في النهاية ما يستطيع المتعلم فعله بما تعلمه.

ولهذا، فإن السؤال الذي تفرضه نتائج PISA 2025 ليس فقط: في أي مرتبة يوجد المغرب؟ بل سؤال أكثر إلحاحاً: ماذا يتعلم أبناؤنا فعلاً داخل المدرسة، وهل تمنحهم المدرسة الأدوات التي يحتاجونها لفهم العالم الذي يعيشون فيه؟

إن استمرار ضعف النتائج في تقييمات دولية متتالية يجعل من الصعب اعتبار الأمر مجرد تعثر عابر، نحن أمام أزمة في صميم العملية التعليمية، عنوانها الأبرز هو أزمة التعلمات الأساسية، ومعالجة هذه الأزمة لن تكون بإصلاح جديد يضاف إلى قائمة الإصلاحات السابقة، وإنما بإعادة وضع التعلم الفعلي للتلميذ في قلب السياسة التعليمية، وجعل القسم والمدرسة نقطة الانطلاق الحقيقية لأي إصلاح.

فـPISA لا تحكم على المدرسة المغربية بالإعدام، لكنها ترفع أمامها مرآة لا تجامل أحداً، وما يظهر في هذه المرآة يستحق أكثر من تبرير عابر: يستحق إصلاحاً حقيقياً يبدأ من سؤال بسيط وحاسم: ماذا يستطيع تلميذنا أن يفعل بما تعلمه؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى