الجديدة: الاتحاد الاشتراكي يرفع سقف المواجهة…ونقابة الصحافيين ترد: الوثيقة أولاً!!

دخلت الساحة السياسية والإعلامية بمدينة الجديدة مرحلة جديدة من السجال، عقب صدور بيان عن فرع حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بالجديدة، أعقبه بيان نقابي صادر عن نقابة الصحافيين بإقليم الجديدة، في مواجهة غير مباشرة تعكس تبايناً في قراءة العلاقة بين العمل السياسي والصحافة المستقلة، وحدود النقد المرتبط بتدبير الشأن العام المحلي.

بيان الاتحاد الاشتراكي انطلق من تشخيص عام للوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، مؤكداً ضرورة ترسيخ دولة المؤسسات وربط المسؤولية بالمحاسبة وصيانة كرامة المواطن، قبل أن ينتقل إلى الدفاع عن الحزب وكاتبه الإقليمي وعضو مكتبه السياسي المهدي الفاطمي، معتبراً أن ما وصفه بـ«حملات التشهير والاستهداف السياسي» يستهدف الحضور التنظيمي والسياسي للحزب بالإقليم، ويهدف إلى التشويش على الدينامية التنموية التي تعرفها جماعة مولاي عبد الله.

وفي هذا السياق، عدد حزب الاتحاد الاشتراكي عدداً من المشاريع التي قال إنها تحققت بالجماعة في مجالات البنيات التحتية والتعليم والصحة والرياضة والخدمات الاجتماعية، معتبراً أن هذه المنجزات لا ينبغي أن تطمسها، حسب تعبير البيان، «حملات مغرضة أو حسابات انتخابوية ضيقة».

كما نفى فرع الحزب بشكل قاطع وجود أي تفاهمات أو ترتيبات لتقاسم النفوذ الانتخابي أو الدوائر مع أي جهة، مؤكداً أن اختياراته السياسية لا تقوم على «الصفقات السياسية» أو اقتسام النفوذ، وإنما على البرنامج والاحتكام إلى إرادة الناخبين. وحذر في الوقت ذاته من المال الانتخابي وشراء الذمم واستغلال النفوذ، داعياً إلى ضمان انتخابات حرة ونزيهة.

لكن البيان النقابي جاء ليضع القضية في زاوية مختلفة، إذ اعتبرت نقابة الصحافيين بإقليم الجديدة أن انتقاد تدبير الشأن العام لا ينبغي أن يُقدَّم باعتباره استهدافاً سياسياً أو تشهيراً، مؤكدة أن الصحافة ليست طرفاً في المنافسة الانتخابية، وأن وظيفتها الأساسية تتمثل في إخبار الرأي العام وطرح الأسئلة حول المال العام والصفقات العمومية والشأن المحلي.

وركز البيان النقابي بصورة خاصة على الصفقات العمومية المرتبطة بجماعة مولاي عبد الله، والتي قال إن مجموعها، وفق الوثائق التي اطلعت عليها النقابة، يقارب 870 مليون سنتيم. وأكد أن تناول هذه الصفقات صحافياً يستند، بحسب البيان، إلى وثائق ومحاضر ونتائج صفقات عمومية، معتبراً أن نشر الأرقام وتحليلها وطرح أسئلة حول الحكامة والشفافية والمنافسة لا يشكل في حد ذاته تشهيراً، ما دام يستند إلى مصادر ووثائق قابلة للتحقق مع احترام حق المعنيين في الرد.

وبذلك، يبدو أن جوهر السجال بين البيانين لا يتعلق فقط بالمواقف السياسية للحزب أو بالممارسة الصحافية في حد ذاتها، وإنما يتمحور حول سؤال أوسع: متى يتحول النقد الصحافي لتدبير الشأن العام إلى استهداف سياسي، ومتى يصبح وصفه بالتشهير محاولة لتقييد الصحافة وإبعادها عن الملفات التي تهم المال العام؟

السجال اتخذ بعداً آخر في البيان النقابي من خلال التطرق إلى ملف موسم مولاي عبد الله أمغار، حيث قالت النقابة إن منابر إعلامية مستقلة طرحت تساؤلات بشأن استعمال عبارة «تحت الرعاية السامية لجلالة الملك» في الترويج للموسم، في ظل معطيات قالت إنها تفيد بعدم توفر الجهة المنظمة على ما يثبت هذه الرعاية.

وتعتبر النقابة أن التحقق من مثل هذه المعطيات يدخل ضمن صميم العمل الصحافي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر برمزية المؤسسة الملكية، مؤكدة في المقابل أن نشر هذه التساؤلات لا ينبغي تفسيره باعتباره استهدافاً لشخص أو حزب، وإنما باعتباره دفاعاً عن دقة المعلومة واحترام المؤسسات.

كما وسّع البيان النقابي دائرة النقاش إلى العلاقة بين الإعلام والإشهار، محذراً من استعمال الدعم التجاري أو الإشهار للتأثير على الخط التحريري للمنابر الإعلامية، ومؤكداً أن الاستقلالية المهنية تقتضي الفصل بين المصالح التجارية والخط التحريري.

وفي المقابل، فإن البيان الحزبي لم يسمِّ في نصه المنابر الإعلامية التي اعتبر أن حملاتها تدخل في إطار التشهير أو الاستهداف، وهو ما يجعل طبيعة المواد الصحافية المعنية وحدود ما يعتبره الحزب تشهيراً أو نقداً مشروعاً نقطة تحتاج إلى مزيد من التوضيح، خصوصاً أن البيان النقابي يؤكد أن الرد على المواد الصحافية ينبغي أن يتم بالحجة والوثيقة والتوضيح، أو عبر المؤسسات المختصة عند الاقتضاء.

وفي المحصلة، يكشف البيانان عن تجاذب واضح بين منطقين: منطق سياسي يرى أن بعض التغطيات والانتقادات قد تتجاوز النقد المشروع إلى الاستهداف والتشويش، ومنطق صحافي ونقابي يعتبر أن تدبير الشأن العام والمال العمومي والملفات ذات الصلة بالمؤسسات والرموز الوطنية تظل مواضيع مشروعة للبحث والتدقيق والنقد.

ومع ذلك، فإن البيانين يلتقيان، ولو من زاويتين مختلفتين، عند مفاهيم الحكامة والنزاهة والشفافية واحترام المؤسسات، فالحزب يتحدث عن دولة المؤسسات وربط المسؤولية بالمحاسبة وانتخابات نزيهة، فيما تؤكد النقابة على حق المواطنين في المعلومة، وعلى ضرورة الاحتكام إلى الوثيقة والحجة واحترام حق الرد وقرينة البراءة.

ويبقى الفيصل في هذا السجال، بعيداً عن لغة البيانات السياسية والنقابية، هو الوثيقة والمعطى القابل للتحقق وحق الرد والاحتكام إلى القانون والمؤسسات، فالعمل السياسي يحتاج إلى صحافة قادرة على النقد والمساءلة، والصحافة بدورها تحتاج إلى قواعد مهنية دقيقة تميز بين النقد المبني على الوقائع وبين الاتهام غير المثبت.

وبين بيان يدافع عن الحزب ومناضليه ويرفض ما يعتبره استهدافاً سياسياً، وبيان نقابي يدافع عن استقلالية الصحافة وحقها في مساءلة تدبير الشأن العام، يبدو أن الجديدة مقبلة على نقاش سياسي وإعلامي أكثر حدة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، ما يجعل احترام قواعد المنافسة الديمقراطية، وحق المواطن في المعلومة، وحق الفاعلين في الرد والتوضيح، عناصر أساسية للحفاظ على نقاش عمومي متوازن ومسؤول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى