ردّ سياسي غير متوقع…الاتحاد الاشتراكي بالجديدة يختار مواجهة المستشار خليل برزوق

في رد سياسي قوي اللهجة، يبدو أنه لم يكن منتظراً بهذه الصراحة، اختار فرع الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بالجديدة أن يخرج من دائرة النقاش السياسي العام إلى مواجهة مباشرة مع المستشار بجماعة الجديدة خليل برزوق، على خلفية الجدل المتواصل حول أداء الكاتب الإقليمي للحزب وعضو مكتبه السياسي والنائب البرلماني ورئيس جماعة مولاي عبد الله، مولاي المهدي الفاطمي.

الرسالة، التي حملت عنوان «إلى من يهمه الأمر.. ميساج للمدعو خليل برزوق»، لم تأتِ في صيغة بلاغ سياسي تقليدي، وإنما اختارت لغة هجومية مباشرة، واضعةً برزوق أمام ما اعتبره فرع الحزب «دفتر حساب» لمساره السياسي، قبل أن يوجه انتقاداته إلى تجربة مولاي عبد الله أمغار وأداء رئيس جماعتها.

ومن خلال مضمون الرسالة، يبدو أن فرع الاتحاد الاشتراكي لم يرغب في الاكتفاء بالدفاع عن الفاطمي أو الرد على الانتقادات الموجهة إليه، بل قرر نقل النقاش إلى مستوى آخر: إذا كان من حق برزوق أن ينتقد تجربة سياسية، فمن حق الحزب، وفق منطق الرسالة، أن يسأله بدوره عن حصيلة تجاربه ومواقفه ومساره داخل مواقع المسؤولية.

وتضع الرسالة سؤالاً مركزياً في قلب المواجهة: «ماذا قدمت أنت؟»، قبل أن تتوالى الأسئلة حول ما تركه برزوق خلفه حين مر من مواقع المسؤولية، وما أنجزه عندما كانت له الكلمة، وما دافع عنه عندما كان الدفاع مكلفاً، وما بقي من حضوره السياسي في ذاكرة الناس.

ولم يتوقف الرد عند هذا الحد، إذ استحضر فرع الحزب ما وصفه بـ «أربع تجارب سياسية مختلفة» مر منها برزوق، معتبراً أن تعدد المحطات السياسية يطرح بدوره أسئلة حول الاستقرار السياسي والوفاء للمبادئ.

وفي واحدة من أكثر فقرات الرسالة حدة، يخاطب فرع الاتحاد الاشتراكي برزوق بمنطق المقارنة، متسائلاً كيف يمكن لمن مر من تجارب سياسية متعددة ولم يجد نفسه، بحسب الرسالة، في «بيت سياسي واحد»، أن يتحدث اليوم عن الاتحاد الاشتراكي وكأنه يمتلك وحده «مفاتيح الصواب السياسي».

غير أن الرسالة حرصت، في المقابل، على التأكيد أن الاختلاف مع الاتحاد الاشتراكي حق، وانتقاد قيادته وقراراته وتجربته حق أيضاً، لكنها ترفض، وفق مضمونها، أن يتحول النقد إلى محاكمة أحادية الجانب، دون أن يضع صاحب الانتقاد مساره السياسي أمام الرأي العام.

وفي هذا السياق، استحضر فرع الحزب تاريخ الاتحاد الاشتراكي، معتبراً أنه ليس مجرد «محطة في دفتر التنقل السياسي»، بل جزء من الذاكرة السياسية المغربية، في إشارة واضحة إلى محاولة وضع النقاش الحالي داخل سياق أوسع يتعلق بتاريخ الحزب وموقعه السياسي.

لكن الجزء الأكثر إثارة في الرسالة هو انتقالها من المساءلة السياسية العامة إلى استحضار ملف جماعة الجديدة، من خلال فقرة حملت عنواناً لافتاً: «تحريكك داخل جماعة الجديدة، وما رافقها من حديث عن عزلك من الجماعة».

وهنا يطالب فرع الاتحاد الاشتراكي برزوق بتقديم توضيحات حول تلك المرحلة، متسائلاً عن حقيقة ما جرى، والأسباب والملابسات التي أحاطت بالقرار، ومن يتحمل مسؤوليته السياسية، وما الذي تعلمه من تلك التجربة.

بهذا المعنى، لا تبدو الرسالة مجرد دفاع عن مولاي المهدي الفاطمي بقدر ما تبدو محاولة لإعادة رسم حدود النقاش السياسي داخل المشهد الاتحادي بالجديدة: إذا كان أداء الكاتب الإقليمي للحزب وعضو المكتب السياسي والنائب البرلماني ورئيس جماعة مولاي عبد الله أمغار موضوعاً للنقد والمساءلة، فإن فرع الحزب يريد أن يقول إن المساءلة لا ينبغي أن تكون في اتجاه واحد.

واللافت أن الرسالة تنتهي بعبارة تحمل دلالة سياسية واضحة: «تحدث… ولكن ابدأ بنفسك»، فبدلاً من مطالبة برزوق بالصمت، يقول له الفرع صراحة: تحدث عن تجاربك الأربع، وعن جماعة الجديدة، وعن مواقع الأغلبية والمعارضة، وعن المواقف التي اتخذتها وتراجعت عنها، وعن الوعود التي تحققت والتي لم تتحقق، ثم بعد ذلك، إذا بقي في جعبتك ما تقوله عن مولاي عبد الله، فقله، وهنا تبلغ الرسالة ذروة تصعيدها السياسي بعبارة: «لكن لا تقفز فوق تاريخك لتكتب تاريخ الآخرين.»

وبذلك، يمكن قراءة هذه الرسالة باعتبارها أقوى رد سياسي مباشر يصدر، إلى حدود الآن، عن فرع الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بالجديدة في سياق النقاش حول أداء مولاي المهدي الفاطمي، خصوصاً أن الرد لم يكتف بتفنيد الانتقادات أو الدفاع عن رئيس جماعة مولاي عبد الله أمغار، وإنما فتح بدوره ملفات مرتبطة بالمسار السياسي لمنتقديه.

والأهم أن هذه المواجهة تكشف أن النقاش لم يعد محصوراً في تقييم أداء جماعة مولاي عبد الله أمغار أو أداء الفاطمي بصفته رئيساً للجماعة ونائباً برلمانياً وعضواً بالمكتب السياسي وكاتباً إقليمياً للحزب، بل بدأ يتخذ أبعاداً أوسع مرتبطة بالشرعية السياسية، والحصيلة، والمصداقية، والمسؤولية، وتاريخ الفاعلين السياسيين أنفسهم.

وبينما كان من الممكن أن يمر النقاش في إطار سجال سياسي عابر، جاءت رسالة فرع الاتحاد الاشتراكي لتقول إن المعركة، بالنسبة إليه، لن تكون فقط حول «ماذا فعل مولاي المهدي الفاطمي؟»، وإنما أيضاً حول سؤال موازٍ أكثر إحراجاً: «وماذا فعل الذين يحاكمونه اليوم؟»

وإذا كان خليل برزوق قد اختار فتح النقاش حول تجربة مولاي عبد الله أمغار وأداء رئيسها، فإن فرع الاتحاد الاشتراكي بالجديدة اختار الرد من الباب نفسه، لكن مع إضافة شرط سياسي واضح: قبل أن تحاكم تجربة الآخرين، ضع تجربتك أنت على الطاولة.

وهكذا انتقل السجال من نقد أداء الفاطمي إلى مواجهة حول حصيلة ومسارات الفاعلين السياسيين بالجديدة، في مشهد مرشح لأن يفتح فصلاً جديداً من النقاش داخل الحقل السياسي المحلي، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية وتزايد حدة التنافس حول من يملك حق تقديم نفسه للرأي العام باعتباره صاحب الحصيلة والمصداقية والقدرة على تقييم الآخرين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى