هل تجاوز السانديك حدوده القانونية؟ نازلة الصيدلانية سميرة تحت المجهر

أعادت النازلة التي تفجرت بمنطقة سيدي بوزيد الساحلية بمدينة الجديدة بين الدكتورة الصيدلانية سميرة مسطري، مالكة صيدلية “جيهان 2″، وبعض جيرانها الممثلين في اتحاد الملاك المشتركين (السانديك)، طرح أسئلة قانونية عميقة حول الحدود الفاصلة بين الحق المشروع في استخلاص الديون، وبين اللجوء إلى وسائل مادية قد تخرج عن دائرة المشروعية القانونية.
وتفيد المعطيات التي قدمتها الدكتورة سميرة مسطري بأن الخلاف، الذي انطلق في الأصل بسبب مستحقات مالية مرتبطة بتكاليف السانديك، تطور إلى إجراءات مادية تمثلت، بحسب روايتها، في قطع التزويد بالماء والكهرباء عن الصيدلية، ووضع حواجز حالت دون ولوج الزبائن والمرضى إلى المحل، وهو ما استدعى تدخل السلطة المحلية في شخص قائد منطقة سيدي بوزيد لإزالة تلك الحواجز وإعادة الوضع إلى حالته الطبيعية.
وتكشف شهادة الملكية الخاصة بالعقار ذي الرسم العقاري 08/88629 أن اتحاد الملاك سبق له أن سلك المسطرة القضائية، حيث تم بتاريخ 18 دجنبر 2025 تقييد حجز تحفظي لفائدته ضماناً لدين تبلغ قيمته 16.800 درهم.
ومن الناحية القانونية، فإن هذا الإجراء يجد سنده في الفصل 452 وما يليه من قانون المسطرة المدنية، الذي يمنح للدائن الحق في طلب الحجز التحفظي للمحافظة على ضمان استخلاص دينه، بما يمنع المدين من التصرف في العقار إلى حين تسوية الوضعية القانونية، ويرى متتبعون أن مباشرة هذه المسطرة القضائية تجعلها الوسيلة القانونية الوحيدة لحماية حقوق الدائن، وأن أي إجراءات مادية موازية خارج إطار القضاء قد تثير إشكالات قانونية بشأن مشروعيتها.
كما يكتسي تدخل قائد منطقة سيدي بوزيد دلالة قانونية، باعتباره جاء لإزالة الحواجز التي أعاقت الولوج إلى الصيدلية، في إطار الصلاحيات المخولة للسلطة المحلية للمحافظة على النظام العام وضمان حرية المرور وعدم عرقلة المرافق والخدمات المقدمة للمواطنين، خاصة عندما يتعلق الأمر بمؤسسة صحية تؤدي خدمة ذات طبيعة حيوية.
وفي الجانب الجنائي، يمنع التشريع المغربي مبدأ “انتزاع الحق باليد” أو ما يعرف بالعدالة الخاصة، إذ تبقى سلطة تنفيذ الحقوق من اختصاص القضاء وحده، وإذا ثبتت الوقائع أمام الجهات القضائية المختصة، فإن قطع الماء والكهرباء أو التضييق على استغلال المحل قد يثيران تطبيق مقتضيات الفصل 570 من القانون الجنائي المتعلق بانتزاع حيازة عقار أو التشويش عليها، وهي أفعال يعاقب عليها القانون متى توفرت أركانها القانونية.
كما أن منع الزبائن والمرضى من الولوج إلى الصيدلية، إذا ثبت، قد يشكل مساساً بحرية ممارسة النشاط التجاري واستغلال الأصل التجاري، خاصة وأن الصيدلية تمارس نشاطاً مرخصاً له قانوناً، بما قد يرتب مسؤولية عن كل الأضرار الناتجة عن تعطيل نشاطها.
أما من الناحية المدنية، فإن الفصلين 77 و78 من قانون الالتزامات والعقود ينصان على أن كل فعل يرتكبه الشخص عن عمد أو إهمال ويتسبب في ضرر للغير، يرتب مسؤوليته ويلزمه بالتعويض، وإذا ثبت أن انقطاع الكهرباء ألحق أضراراً بالأدوية التي تستوجب التبريد المستمر، أو تسبب في خسائر مالية نتيجة عزوف الزبائن عن ارتياد الصيدلية، فإن ذلك قد يؤسس للمطالبة بتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية، وهي تعويضات قد تتجاوز قيمة الدين الأصلي موضوع النزاع.
وفي المقابل، يمنح القانون للدكتورة سميرة مسطري، وفق هذه القراءة القانونية، عدة وسائل للدفاع عن حقوقها، من بينها اللجوء إلى رئيس المحكمة الابتدائية بصفته قاضياً للمستعجلات، استناداً إلى الفصل 149 من قانون المسطرة المدنية، للمطالبة بإعادة ربط الماء والكهرباء ورفع كل أشكال التضييق، مع إمكانية الحكم بغرامة تهديدية لضمان التنفيذ.
كما يتيح لها القانون سلوك مسطرة العرض الحقيقي والإيداع من خلال إيداع مبلغ الدين بصندوق المحكمة قصد إنهاء آثار الحجز التحفظي، فضلاً عن إمكانية اللجوء إلى النيابة العامة إذا رأت أن الوقائع تشكل أفعالاً يجرمها القانون الجنائي.
ولا تقف تداعيات هذه النازلة، وفق هذا التحليل، عند حدود النزاع بين أطرافه، بل تمتد لتطرح تساؤلات أوسع حول الأمن الاستثماري بإقليم الجديدةففي الوقت الذي تراهن فيه المملكة المغربية، من خلال ميثاق الاستثمار الجديد، على تعزيز جاذبية الاستثمار، وتبسيط المساطر، وتوفير الحماية القانونية للمقاولات، فإن أي ممارسات تقوم على فرض الحق بوسائل مادية خارج المساطر القضائية، إذا ثبتت، قد تبعث برسائل سلبية بشأن استقرار بيئة الأعمال وحماية المستثمرين، فعرقلة ولوج الزبائن إلى مؤسسة اقتصادية، وقطع المرافق الأساسية عنها خارج الإطار القانوني، لا يمسان فقط بحقوق صاحب المشروع، وإنما يثيران نقاشاً حول مدى احترام مبدأ الأمن القانوني الذي يشكل أحد مرتكزات تشجيع الاستثمار.
ويبقى التأكيد في الأخير أن هذه القراءة القانونية استندت إلى الوقائع والوثائق والرواية التي قدمتها الدكتورة سميرة مسطاري، باعتبارها أحد أطراف النزاع، وهي وقائع تبقى خاضعة لما قد تسفر عنه الأبحاث والإجراءات القضائية المختصة، وانسجاماً مع أخلاقيات مهنة الصحافة وقواعد التوازن والإنصاف، فإن حق الرد والتوضيح مكفول لاتحاد الملاك المشتركين (السانديك) ولكافة الأطراف المعنية، من أجل عرض وجهة نظرهم وتمكين الرأي العام من الإحاطة بمختلف جوانب هذه القضية.



